ثم جاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى ليغيرا علاقة المنتج الثقافى بجمهوره. صار الهاتف وسيلة للنشر والتصوير والتعلم، وأمكن لموهبة بعيدة عن العاصمة أن تعرض عملها من دون انتظار موافقة مؤسسة كبيرة. ووجد قراء وفنانون مساحات للتواصل لم تكن متاحة سابقًا. هذه مكاسب حقيقية ينبغى البناء عليها؛ فالتكنولوجيا وسعت إمكانات المشاركة، وخففت بعض الحواجز، وجعلت الوصول إلى مواد معرفية وفنية أسهل لكثيرين، وإن ظل الانتفاع بها مرتبطًا بالتعليم والإمكانات ونوعية الاستخدام. لكن المنصات لم تكن قنوات محايدة. فهى ترتب ما يظهر للمستخدم، وتتنافس على وقته، وتستفيد من استمرار تفاعله. وقد يساعد هذا المنطق المحتوى المثير والسريع على الانتشار، من دون أن تكون جودته هى العامل الحاسم. وفى هذه البيئة ينافس الكتاب والمقال والعمل الفنى رسائل كثيرة، تتفاوت فى صدقها وقيمتها. المشكلة لا تكمن فى قصر الفيديو بذاته، فالمادة القصيرة قد تكون مفيدة، وإنما فى تحول جذب الانتباه إلى معيار يطغى على الفهم والتثبت والتأمل.
من السهل إدانة الشباب لأنهم يقضون وقتًا طويلًا أمام الشاشات، لكن الأصعب والأجدى أن نسأل عما يجدونه خارجها. هل توجد مكتبة قريبة تعمل فى ساعات مناسبة؟ هل تقدم المدرسة فرصة للقراءة الحرة؟ هل يستطيعون حضور عرض بتكلفة محتملة؟ وهل يخاطبهم الإعلام الثقافى بلغة مفهومة؟ إذا كانت البدائل بعيدة أو مكلفة أو منفرة، فإن مطالبتهم بتغيير عاداتهم تصبح وعظًا بلا أدوات. بناء الجمهور يبدأ بإزالة العوائق، ثم بتقديم محتوى يستحق أن يمنحه الناس وقتهم، كذلك لا يمكن فصل المشاركة الثقافية عن ضغوط المعيشة. المواطن الذى يستنزفه العمل والمواصلات والقلق على احتياجات أسرته قد يجد صعوبة فى تخصيص المال والوقت للكتاب أو المسرح. وليس ذلك نقصًا أخلاقيًا فيه أو دليلًا على عجزه عن التذوق. لذا ينبغى أن تراعى السياسة الثقافية تكلفة الوصول، ومواعيد النشاط، وتوزيعه الجغرافى، وإمكانات الأسر. فحق المشاركة يظل محدودًا إذا كان متاحًا نظريًا، بينما تتراكم أمامه عوائق عملية لا تعترف بها المؤسسات، والتعليم هو المجال الذى تتكون فيه العلاقة الأولى بالمعرفة. حين تُختزل القراءة فى الحفظ والامتحان، قد يرتبط الكتاب لدى الطفل بالتكليف والخوف من الخطأ. وحين تُتاح له فرصة السؤال والمناقشة والرسم والتمثيل، يمكن أن يكتشف المعرفة بوصفها نشاطًا يشارك فيه. لذلك تحتاج استعادة الثقافة إلى تعاون فعلى بين المدرسة والمكتبة والمسرح، وإلى إعداد المعلم ليشجع الفضول. لا تستطيع وزارة الثقافة وحدها إصلاح هذا المسار، لكنها تستطيع أن تكون شريكًا فيه بدل أن تعمل بمعزل عنه، ومن المهم أيضًا إعادة النظر فى صورة النجاح التى نقدمها للصغار. لا عيب فى الطموح إلى الشهرة أو المكسب، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الظهور غاية منفصلة عن العمل الذى يبرره. يحتاج المجتمع إلى نماذج متعددة للنجاح، يرى فيها الطفل الباحث والمعلم والفنان وصاحب الحرفة، ويتعرف إلى الجهد وراء الإنجاز. والمطلوب أن يمنح الإعلام مساحة للعمل المتقن، ويشرح قيمته، بدل اختزال صاحبه فى مناسبة عابرة أو تقديم عدد المتابعين بوصفه شهادة كافية على الأهمية.
هل يعنى ذلك أن الحل هو العودة إلى الستينيات؟ إن استعادة مؤسسات الماضى بحذافيرها لا تجيب عن احتياجات الحاضر. تغير السكان والتعليم ووسائل الاتصال وأنماط العمل، وتعددت الجهات التى تنتج الثقافة. ما يمكن تعلمه من التجربة القديمة هو أهمية الرؤية والاستمرار وتكوين الكفاءات. أما المشروع الجديد فيحتاج إلى احترام استقلال المبدعين، والشراكة مع المجتمع، والاستفادة من التكنولوجيا، وتوفير مساحات للتجريب، بدل مطالبة الجميع بالعمل داخل نموذج واحد أو الخضوع لذوق إدارى موحد، وتبدأ هذه الرؤية بتحديد مسؤوليات يمكن قياسها. كم طفلًا استفاد من مكتبة عامة؟ كم محافظة استقبلت عروضًا منتظمة؟ هل زادت مشاركة الفتيات والشباب وذوى الإعاقة؟ هل وجد المبدعون إجراءات واضحة للحصول على الدعم؟ وهل تتاح نتائج الإنفاق للجمهور؟ هذه الأسئلة تجعل التقييم متعلقًا بالخدمة وأثرها، وتمنع الاكتفاء بعدد الفعاليات. وقد يكون برنامج صغير مستمر فى مدينة بعيدة أكثر نفعًا من مهرجان واسع لا يترك وراءه تدريبًا أو جمهورًا أو نشاطًا يستمر، وتحتاج المؤسسات إلى صلاحيات واضحة وكفاءات مهنية، حتى تستطيع العمل عند تغير الوزير أو تأخر تعيينه. تعليق القرارات كلها على شخص واحد يجعل الثقافة عرضة للتعطل، ويضعف قدرة العاملين على تحمل المسؤولية. لكن تفويض الصلاحيات ينبغى أن يصاحبه حساب ومتابعة، لا أن يتحول إلى غياب للرقابة على المال العام. الإدارة الجيدة تحمى استمرارية العمل، بينما توفر القيادة اتجاهه العام، ويظل نجاح الاثنين مرتبطًا بوجود قواعد لا تتبدل مع كل تغيير فى الأسماء.
كما ينبغى أن تكون علاقة الوزارة بالمبادرات المستقلة قائمة على التعاون واحترام الاختلاف؛ فهناك جمعيات وفرق ودور نشر ومراكز تعمل بالقرب من جمهورها، وتعرف احتياجات قد لا تصل إلى الإدارة المركزية. يمكن للدولة أن تدعم هذه الخبرات عبر إتاحة الأماكن والتدريب والتمويل بشروط شفافة، وأن تترك لها مساحة لاختيار برامجها. الشراكة توسع أثر الموارد العامة، وتسمح بتنوع التجارب، وتخفف وهم أن الوزارة مطالبة بإنتاج كل شيء والإشراف على كل تفصيل بنفسها.
أما فى المجال الرقمى، فالمطلوب حضور ثقافى قادر على الإفادة من أدوات العصر. يمكن إتاحة أرشيفات وكتب ومواد تعليمية، وتقديم عروض ومحاضرات بصيغ تناسب جمهورًا متنوعًا، مع احترام حقوق أصحابها. ويجب أن يقترن ذلك بتعليم التحقق من المعلومات وفهم طريقة عمل المنصات. لا نحتاج إلى حرب على الهاتف، بل إلى مستخدم يستطيع الاختيار والمقارنة، وإلى محتوى عام جيد يمكنه الوصول إليه. المعرفة الرقمية أصبحت جزءًا من المشاركة الثقافية، ومن قدرة المواطن على فهم ما يتلقاه، وتظل حرية الإبداع أساسًا لكل ذلك. لا يمكن دعوة الفنان إلى الابتكار ثم مطالبته بتجنب كل سؤال مزعج، أو تشجيع القارئ على التفكير ثم معاقبته على نتيجة تفكيره. المجتمع الذى يتيح النقاش يمتلك فرصة لفهم خلافاته، بدل تركها تتراكم تحت الصمت. وهذه الحرية تقترن باحترام القانون وحقوق الآخرين والملكية الفكرية، وبوجود إجراءات عادلة للفصل فى النزاعات. حماية الإبداع تشمل حماية حق صاحبه، وتوفير بيئة لا يتحول فيها الاختلاف إلى تهديد أو تشهير.
عند هذه النقطة نعود إلى مقعد الوزير. من يشغله سيواجه مؤسسات لها تاريخ ومشكلات، وعاملين يحتاجون إلى التأهيل والتقدير، وجمهورًا تتغير عاداته، ومبدعين يريدون فرصًا وقواعد واضحة. ولا يكفى أن يكون محبًا للفن أو حاضرًا فى المناسبات؛ عليه أن يحول رؤيته إلى أولويات وبرامج وميزانيات، وأن يستمع لمن يعملون خارج الوزارة، ويقبل تقييم النتائج. اختيار الوزير مهم، لكن الأهم أن يعرف المجتمع ما المشروع الذى يتولى تنفيذه، وكيف يمكن مساءلته عنه.
تقدم تجربة ثروت عكاشة درسًا فى بقاء أثر المؤسسات بعد رحيل أصحابها، وتقدم تناقضات تلك المرحلة درسًا آخر فى ضرورة الحرية. وبينهما يمكن بناء سياسة تنفق على المعرفة وتحترم استقلالها، وتوسع فرص الجمهور وتقبل تنوعه. لا تحتاج مصر إلى تمجيد الماضى ولا إلى إعلان إفلاس الحاضر. تحتاج إلى قراءة تاريخها بإنصاف، والاعتراف بما لديها من طاقات، والعمل على تحويلها إلى فرص مستمرة يستطيع المواطن أن يلمس أثرها فى مدرسته وحيه وحياته. منذ 1952 تغيرت علاقة الثقافة بالدولة والسوق، ثم بالفضاء الرقمى، وبقيت مسألة بناء الإنسان حاضرة تحت هذه التحولات. وقد يكون تأخر تعيين الوزير فرصة لتجديد السؤال بدل الاكتفاء بتداول الأسماء: كيف نجعل الثقافة جزءًا من حياة المصريين؟ الإجابة تبدأ حين يصبح الوصول إلى كتاب أو عرض أو فرصة للتعلم أمرًا ممكنًا وعاديًا، وحين يجد المبدع حرية للعمل، والمواطن حقًا فى المشاركة. عندها تكتسب الوزارة معناها، ويصبح ملء مقعدها بداية لمسؤولية واضحة، لا نهاية للنقاش.
