مقال

من المؤسسة إلى الشِّلّة: كيف يُدَار النفوذ فى الظِّل؟

بواسطة
في
يناير 17, 2026

ليس خافيًا على العاملين فى الجامعات، أو الصحافة، أو الثقافة، أو السياسة، أو حتى عالم البيزنس، أن جزءًا كبيرًا من الحياة المؤسسية فى مصر يُدار خارج اللوائح المعلنة؛ فهناك دائمًا ما يشبه الدوائر المغلقة، أو الشِلَل، أو ما يمكن وصفه بـ«الكارتيلات الناعمة»، التى تلتف حول نفسها، وتعيد إنتاج نفوذها، وتتعامل مع المختلفين عنها باعتبارهم خطرًا يجب تحجيمه.

الظاهرة لا تخص مؤسسة بعينها ولا تيارًا واحدًا، بل تمتد من الجامعات الحكومية إلى المؤسسات الخاصة، ومن الصحافة والثقافة إلى السياسة والاقتصاد، بل تنسحب فى صورة أكثر بدائية على الفئات المهمشة نفسها، لأن الإقصاء لا يحتاج إلى سلطة كبرى، بل يكفيه خوفٌ صغير كى ينمو.

فى الجامعات، خاصةً فى الكليات الكبرى، تظهر هذه الظاهرة بوضوح.. مجموعاتٌ متشابهة فى الخلفية والتوجه والعلاقات، تسيطر على مواقع القرار الأكاديمى والإدارى، فالترقية، والفرص البحثية، والتكليفات، لا تُحسم دائمًا وفق معيار الكفاءة، بل وفق معيار غير مكتوب.. القرب من الدائرة، والانسجام مع خطابها، وعدم إزعاج توازنها الداخلى، ومن لا ينتمى، يُهَمَّش مهما كان اجتهاده أو تميّزه.

نفسيًا، لا تقوم هذه الشِلَل على الثقة بالنفس، بل على العكس تمامًا: على الخوف من المختلِف، من المستقِلّ، من صاحب الرأى الذى لا يمكن احتواؤه.. هنا الجماعة تؤدى وظيفة دفاعية، تحمى أعضاءها من القلق، وتعفيهم من مواجهة أسئلة صعبة عن الكفاءة، والحدود، والمسؤولية؛ فداخل الجماعة، يشعر الفرد بالأمان الهش، لا يتحمل وجود الآخر.

هذا المنطق الدفاعى ينعكس سوسيولوجيًا فى مؤسسات تفتقر إلى الشفافية، حيث تختلط المعرفة بالسلطة، وتتحول العلاقات الشخصية إلى عُملة أساسية، ومع الوقت، تعود المؤسسة ساحة إدارة توازنات، وصراعات صامتة، وإقصاءً ناعمًا لا يترك أثرًا قانونيًا، لكنه يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.

اللافت أن هذا السلوك لا يقتصر على النُخَب، حتى فى الفئات التى تعانى اقتصاديًا واجتماعيًا، نرى شِلَلًا مصغّرة، تتكتل حول أشخاص أو أفكار أو شعارات، وتقصِى من لا يكرر نفس الخطاب، وكأن القهر لا يُنتج تضامنًا تلقائيًا، بل يُعاد تدويره فى صورة سلطة صغيرة تمارس إقصاءً مشابهًا لما عانته.

فى الوسط الصحفى، تتخذ الظاهرة شكلًا أكثر نعومة، لكنها لا تقل تأثيرًا؛ فمن يُنشر له باستمرار؟ من يُستضاف؟ من يُحتفى به؟ ومن يُترك خارج المشهد؟ كثير من هذه الأسئلة لا تحسمها الجودة وحدها، بل شبكة العلاقات، والوجود داخل الدائرة، والالتزام بسقف غير معلن، إن المختلف هنا لا يُهاجَم غالبًا، بل يُتجاهَل، والتجاهل أحد أقسى أشكال الإقصاء.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف