نشرت «المصرى اليوم» بيانات الجهاز المركزى، بأن عدد الأرامل فى مصر بلغ نحو ٢.٩٦ مليون أرملة، وفقًا لتعداد٢٠١٧. وتصدرت محافظة القاهرة عدد الأرامل.
جلست أمامى أرملة فى الخامسة والثلاثين من عمرها. كانت تبدو أكبر من سنها بعشر سنوات على الأقل. وجهٌ أنهكته الدموع، وتجاعيد ظهرت قبل موعدها، وشعيرات بيضاء تسللت إلى رأسها مبكرًا، وكتفان يحملان من الأعباء أكثر مما ينبغى لامرأة فى هذا العمر. كانت تنظر إلى الأرض أكثر مما تنظر إليّ. لم تكن تشكو من مرضٍ بعينه، بل من حياة كاملة أصبحت أثقل من احتمالها.
هذه المرأة ليست حالة استثنائية، بل واحدة من الوجوه التى تتكرر كثيرًا فى العيادات النفسية، خصوصًا بين الأرامل اللاتى لم يتجاوزن الأربعين. وهناك آلاف غيرهن لا يذهبن إلى طبيب نفسى أصلًا؛ ينكفئن على ذواتهن، ويعتبرن أن الصمت جزء من واجباتهن، وأن احتمال الألم هو ثمن لا بد من دفعه.
وكثيرًا ما يظن الناس أن الأرملة الشابة التى لم تتزوج مرة أخرى قد اتخذت هذا القرار بإرادتها الكاملة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ ففى أحيان كثيرة، لا تختار المرأة الوحدة، وإنما تُدفَع إليها. تخشى على بناتها من دخول رجلٌ غريب إلى حياتهن، وتخشى أن يرفض الأبناء زواجها، وتجد نفسها محاصرة بنظرات المجتمع، وبالتوقعات التى تفرض عليها أن تظل وفية لذكرى زوجها، وكأن استمرار الحياة خيانة. ويأتى أحيانًا ضغط أهل الزوج ليجعل مجرد التفكير فى الزواج معركة جديدة لا طاقة لها بها.
وهكذا، وبعد سنوات، تبدو الوحدة وكأنها كانت قرارها، بينما هى فى الحقيقة كانت نتيجة طريق ضاق أمامها حتى لم يبقَ فيه إلا اتجاه واحد.
ولا تنتهى الضغوط عند هذا الحَدّ؛ فبعد الوفاة مباشرة، تدخل بعض النساء فى صراع مرير مع أهل الزوج حول حقوقها وحقوق أطفالها. والمشكلة فى كثير من الحالات ليست فى تقسيم الميراث وفق أحكام الشرع، وإنما فى محاولة الاستيلاء عليه، مستغلين أن المرأة أصبحت وحدها، وأنها قد لا يكون لديها ابن ذكر يقف بجوارها؛ فتجد نفسها، وهى لم تفرغ بعد من الحداد، مطالبة بخوض معارك قانونية وأسرية للحفاظ على بيتها ومستقبل أطفالها.
ومن هنا يبدأ الثمن النفسى الحقيقي؛ فالحداد الطبيعى يمتد ويتحول إلى اكتئاب، والقلق يصبح أسلوب حياة، والجهاز العصبى يعيش فى حالة استنفار دائم. وهى لا تملك رفاهية الانهيار؛ لأن أبناءها ينتظرون منها أن تكون الأم والأب معًا. تعمل، وتحاسب، وتقرر، وتقلق، وتسهر، ثم تعود إلى بيت يخلو من ذلك الشخص الذى كانت تتقاسم معه الخوف قبل الفرح. ومن الناحية السيكودينامية، لا تفقد الأرملة زوجًا فقط، بل تفقد الشريك الذى كانت تسند إليه جزءًا من ذاتها. ومع مرور الوقت، يتسع داخلها شعور بالوحدة لا يراه أحد، لأنها اعتادت أن تبدو قوية أمام الجميع.
وفى العيادة، نادرًا ما تسألنى مريضة عن ألمها النفسى فقط. هناك جرح آخر لا يظهر فى التحاليل؛ فهى ما زالت شابة، جسدها ما زال يحلم، لكن المجتمع يحاصرها بقسوة، ويجعلها تشعر أن رغبتها فى الحياة طبيعيًّا هى جريمة. تُكبَت سنوات وسنوات، حتى يصير جسدها مثل بيت خاوٍ، وتبدأ أمراض النوم والاكتئاب تظهر كرسائل صامتة من جسدٍ يرفض الصمت.
نحن نصفق لتضحيتها الأخلاقية، ونمدح صبرها، لكننا لا نسألها أبدًا: كم كلفها هذا الكبت من صحتها؟ إن المجتمع يطالبها بأن تكون قوية، لكنه لا يمنحها دائمًا ما يعينها على هذه القوة. يريدها أن تربى أبناءها وحدها، وأن تحافظ على بيتها، وأن تواجه مشكلات العمل، وأن تتحمل نظرات الناس، وأن تتنازل عن كثير من احتياجاتها الإنسانية، ثم يندهش إذا وجدها منهكة أو مكتئبة. وفى اليوم العالمى للأرامل، ربما يجدر بنا أن ننظر إلى هذه الفئة بعينٍ مختلفة. لسنا أمام امرأة فقدت زوجها فقط، بل أمام إنسانة فقدت شريك حياتها، وتحملت أعباء أسرة كاملة، وخاضت أحيانًا معارك على حقوقها، واضطرت إلى تأجيل نفسها عامًا بعد عام حتى كادت تنساها.
وعندما انتهت الجلسة، رفعت رأسها لأول مرة وقالت بهدوء: «أنا مش تعبانة من الشغل… أنا تعبانة من إنى لوحدى».
وربما كانت هذه الجملة هى أصدق وصف للحياة التى تعيشها آلاف الأرامل الشابات فى صمت.
كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة