ومع مرور الوقت، لا يتغير الفعل فقط، بل يتغير الإحساس به. وما كان يؤنب الضمير فى البداية، يصبح مألوفًا بعد التكرار. وكأن الضمير نفسه يعتاد الصمت إذا لم نصغ إليه. يزداد الأمر تعقيدًا لأننا نعيش فى زمن يخلط كثيرًا بين النجاح والقيمة؛ فأصبح السؤال الذى نطرحه عن الناس هو: كم يملكون؟ ماذا حققوا؟ كم عدد متابعيهم؟ وقلما نسأل: كيف وصلوا؟ وماذا دفعوا من قيمهم وأخلاقهم فى الطريق؟ ليست المشكلة فى النجاح؛ فالنجاح قيمة عظيمة، والمال والشهرة والنفوذ ليست شرورًا فى ذاتها؛ بل قد تكون وسائل لفعل الخير، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الغاية إلى مبرر لاستخدام أى وسيلة، وحين يقتنع الإنسان بأن الوصول إلى النتيجة يمنحه الحق فى تجاوز مبادئه.
فى عيادتى رأيت أشخاصًا نجحوا فى أعمالهم، لكنهم فشلوا فى أن يداعب النوم أجفانهم. كانوا يحملون فى داخلهم محكمة، مهما أقنعوا الآخرين ببراءتهم. ورأيت فى المقابل أناسًا لم يحققوا ثراءً كبيرًا، لكنهم كانوا يملكون نعمة راحة الضمير التى يصعب شراؤها؛. لم يكونوا ملائكة، ولا معصومين من الخطأ، لكنهم كانوا يملكون الشجاعة للاعتراف به، والقدرة على تصحيحه، ولعل هذا هو الفارق بين من يخطئ ومن يفقد بوصلته. الأول يتعثر ثم يعود، أما الثانى فيغيّر اتجاه الطريق كله، ثم يقنع نفسه أنه لم يبتعد.
أحيانًا تكون البوصلة الأخلاقية كلمة قالها أب لابنه، أو موقفًا عاشته أم مع أطفالها، أو معلمًا رفض أن يغش تلاميذه، أو طبيبًا رفض أن يبيع ضميره، أو موظفًا أعاد حقًا لم يكن أحد سيكتشف ضياعه؛ فالقيم لا تُحفظ بالخطب، وإنما بالأفعال الصغيرة التى تتكرر حتى تصبح جزءًا من الشخصية، ولذلك، لا أعتقد أن السؤال الحقيقى هو: هل ما زال المجتمع يحتفظ بأخلاقه؟ فلكل جيل فضائله وأخطاؤه. السؤال الأهم هو: هل ما زال كل واحد منا يراجع بوصلته من وقت إلى آخر؟ أم أننا تركنا اتجاهنا تحدده المصلحة، والضغوط، وإيقاع الحياة السريع؟ فالضياع الحقيقى لا يبدأ عندما لا تعرف إلى أين تذهب، وإنما عندما تتوقف عن سؤال نفسك: هل ما زلت أسير فى الاتجاه الذى أؤمن به؟ ولهذا لن أختم بإجابة، لأن لكل إنسان ظروفه وتجربته وقيمه.
سأكتفى بالسؤال.. حين تُغلق الأبواب، ويغيب الناس، ولا يبقى معك إلا ضميرك. تُرَى، ما هى بوصلتك الأخلاقية؟.
