مقال

تُرى.. ما هي بوصلتك الأخلاقية؟

بواسطة
في
أغسطس 15, 2026

دخل إلى مكتبه يبحث عن شىءٍ ضاع منه. لم يكن هاتفه المحمول، ولا مفاتيح بيته، ولا بطاقته القومية، ولا بطاقته الائتمانية. كان يبحث عن بوصلته الأخلاقية. فتح الأدراج، وفتش بين الأوراق، ثم خرج إلى الشارع يواصل البحث. ذكّرنى بمشهد جحا وهو يفتش عن مفاتيح بيته تحت أحد أعمدة الإنارة. سأله الناس: أين أضعتها؟ فقال: فى البيت. قالوا: ولماذا تبحث هنا؟ فأجاب: لأن هنا يوجد النور. كثيرون اليوم يفعلون الشىء نفسه؛ يبحثون عن بوصلتهم الأخلاقية فى المكان الخطأ، بينما يعرفون جيدًا أين فقدوها.

نتحدث كثيرًا عن النجاح والطموح، وتحقيق الذات، والذكاء، والمهارات، لكننا نادرًا ما نسأل سؤالًا صعبًا رغم أنه يبدو سهلًا: ما الذى يحدد اتجاه قراراتك عندما لا يراك أحد؟ ما المرجع الذى تعود إليه عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ؟ وما الذى يمنعك من أن تفعل كل ما تستطيع فعله، لمجرد أنك قادر عليه؟

هذه هى البوصلة الأخلاقية.

ليست قانونًا يخيفك، ولا كاميرا تراقبك. إنها ذلك الصوت الهادئ الذى يسكن أعماق الإنسان، ويخبره أن هناك أشياء لا ينبغى أن يفعلها حتى لو كان واثقًا أنه لن يُكشَف، وأن هناك مواقف يجب أن يتحمل فيها الخسارة لأنه إذا ربحها فقد يخسر نفسه، ومن المفارقات أن الإنسان لا يفقد بوصلته الأخلاقية فجأة. لا أحد يستيقظ صباحًا ليقرر أن يصبح شخصًا بلا ضمير. الأمر يبدأ بخطوة صغيرة، ثم تتبعها خطوة أخرى. كذبة بدعوى أنها بيضاء، ثم تنازل بحجة الظروف، ثم تبرير لأن الجميع يفعلون الشىء نفسه، ثم يصبح ما كان يرفضه بالأمس أمرًا عاديًا اليوم، وهنا تكمن خطورة النفس البشرية؛ فهى لا تبرع فى ارتكاب الخطأ بقدر ما تبرع فى تبريره. نستطيع أن نجد لأنفسنا ألف حجة تجعل التجاوز يبدو ضرورة، وألف تفسير يجعل الأنانية تبدو حقًا مشروعًا.

ومع مرور الوقت، لا يتغير الفعل فقط، بل يتغير الإحساس به. وما كان يؤنب الضمير فى البداية، يصبح مألوفًا بعد التكرار. وكأن الضمير نفسه يعتاد الصمت إذا لم نصغ إليه. يزداد الأمر تعقيدًا لأننا نعيش فى زمن يخلط كثيرًا بين النجاح والقيمة؛ فأصبح السؤال الذى نطرحه عن الناس هو: كم يملكون؟ ماذا حققوا؟ كم عدد متابعيهم؟ وقلما نسأل: كيف وصلوا؟ وماذا دفعوا من قيمهم وأخلاقهم فى الطريق؟ ليست المشكلة فى النجاح؛ فالنجاح قيمة عظيمة، والمال والشهرة والنفوذ ليست شرورًا فى ذاتها؛ بل قد تكون وسائل لفعل الخير، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الغاية إلى مبرر لاستخدام أى وسيلة، وحين يقتنع الإنسان بأن الوصول إلى النتيجة يمنحه الحق فى تجاوز مبادئه.

فى عيادتى رأيت أشخاصًا نجحوا فى أعمالهم، لكنهم فشلوا فى أن يداعب النوم أجفانهم. كانوا يحملون فى داخلهم محكمة، مهما أقنعوا الآخرين ببراءتهم. ورأيت فى المقابل أناسًا لم يحققوا ثراءً كبيرًا، لكنهم كانوا يملكون نعمة راحة الضمير التى يصعب شراؤها؛. لم يكونوا ملائكة، ولا معصومين من الخطأ، لكنهم كانوا يملكون الشجاعة للاعتراف به، والقدرة على تصحيحه، ولعل هذا هو الفارق بين من يخطئ ومن يفقد بوصلته. الأول يتعثر ثم يعود، أما الثانى فيغيّر اتجاه الطريق كله، ثم يقنع نفسه أنه لم يبتعد.

أحيانًا تكون البوصلة الأخلاقية كلمة قالها أب لابنه، أو موقفًا عاشته أم مع أطفالها، أو معلمًا رفض أن يغش تلاميذه، أو طبيبًا رفض أن يبيع ضميره، أو موظفًا أعاد حقًا لم يكن أحد سيكتشف ضياعه؛ فالقيم لا تُحفظ بالخطب، وإنما بالأفعال الصغيرة التى تتكرر حتى تصبح جزءًا من الشخصية، ولذلك، لا أعتقد أن السؤال الحقيقى هو: هل ما زال المجتمع يحتفظ بأخلاقه؟ فلكل جيل فضائله وأخطاؤه. السؤال الأهم هو: هل ما زال كل واحد منا يراجع بوصلته من وقت إلى آخر؟ أم أننا تركنا اتجاهنا تحدده المصلحة، والضغوط، وإيقاع الحياة السريع؟ فالضياع الحقيقى لا يبدأ عندما لا تعرف إلى أين تذهب، وإنما عندما تتوقف عن سؤال نفسك: هل ما زلت أسير فى الاتجاه الذى أؤمن به؟ ولهذا لن أختم بإجابة، لأن لكل إنسان ظروفه وتجربته وقيمه.

سأكتفى بالسؤال.. حين تُغلق الأبواب، ويغيب الناس، ولا يبقى معك إلا ضميرك. تُرَى، ما هى بوصلتك الأخلاقية؟.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف