«القطنة ما بتكدبش»
من الإعلانات التى لم تغادر ذاكرتى إعلان «مدام نظيفة». كانت تُمَرِّر قطعة قطنٍ بيضاء على السطح، ثم ترفعها أمامنا: أهى بيضاء أم سوداء؟ وانتهى الأمر بالجملة التى دخلت قاموس المصريين: «القطنة ما بتكدبش»، وأعتقد أننا نحتاج مدام نظيفة هذه الأيام، لإجراء مسح شامل على البلد، نبدأ بالشارع. مرِّر القطنة على واحد يقود سيارته عكس الاتجاه لأنه «داخل الحتة دى بس»، وعلى آخر أوقف سيارته صفًا ثانيًا وشغّل الانتظار، وبذلك يكون قد أدّى ما عليه أمام الله والوطن والمرور، وعلى ثالث ألقى كيسًا من نافذة السيارة ثم قضى المسَاء يشكو من أن البلد «بقت زبالة»، ولا تسألنى عن الكلاكس؛ فهو عند المصرى ليس جهاز تنبيه، وإنما وسيلة تعبير عن المشاعر، يقول به: صباح الخير، ووسَّع، وإنت أعمى؟ ووحشتِنى.. ومرِّر القطنة بعد ذلك على الطابور، وهو مفهوم فلسفى أكثر منه ترتيبًا هندسيًا. هناك من يقف فيه، وهناك من يقف بجواره، وهناك من لديه «سؤال صُغَيَّر».. معروف أنه الكائن الوحيد القادر على اختراق أربعين شخصًا والوصول مباشرةً إلى الشباك، وإذا اعترضت، نظر إليك الرجل بدهشة: «يا أستاذ أنا بَسْ بسأل»، وبعد السؤال تأتى الورقة والختم والتوقيع، وربما يخرج قبلك وأنت لا تزال مُتَمَسِكًا بمبادئك فى آخر الطابور. لكن لا يصح أن نظلم المواطن ونترك المسؤول واقفًا يتفرَّج علينا ونحن نُمَرِّر القطنة على الناس. تعال يا فندم؛ فالسلطة أيضًا لها قطنتها، والمسؤول ليس بالضرورة وزيرًا أو محافظًا. قد يكون رئيس حى، أو مدير إدارة، أو موظفًا يجلس خلف شباك صغير لكنه قادر على أن يجعل يومك سعيدًا أو يحوله إلى اختبار حقيقى لإيمانك بالحياة. السؤال بسيط: ماذا تفعل عندما تصبح لديك سلطة على إنسان آخر؟ هل تسهّل له ما يسمح به القانون، أم تشعر أن هيبة الدولة ستنهار إذا خرج من عندك قبل أن يعود مرتين ومعه صورتان للبطاقة وصورة لخاله؟ ولدينا بالطبع «الجولات المفاجئة»؛ فبعد أن تنصرف الكاميرا ويعود الجميع إلى بيوتهم، مَرِّر القطنة على المكان. هل اختفت المشكلة أم اختفى المُصَوِّر؟ هل تغيَّر النظام الذى صنع المشكلة؟ نحن فى الحقيقة أصبحنا ممتازين فى تنظيف المكان الذى ستمُرّ عليه القطنة؛ فإذا كانت هناك زيارة، طُلى الرصيف، وقُصّ الشجر،واختفت القمامة بطريقة إعجازية، ووقف الجميع فى أماكنهم. أحيانًا أشعر أن المشكلة الوحيدة فى بعض شوارعنا هى أن المسؤول لا يزورها كل صباح.
لكن المسألة ليست حكومة وشعبًا بالمعنى التقليدى، وليست مباراة نختار فيها من الأسوأ؛ فنحن جميعًا تعلمنا شيئًا من ثقافة الواجهة.. نهتم كثيرًا بما يبدو، وأقل قليلًا بما هو موجود فعلًا. يلعن المواطن الواسطة إلى أن يجد واسطة. يهاجم من يخالف القانون، ثم إذا أوقفه أمين الشرطة قال له: «طب ما نخلّص الموضوع يا باشا». يشكو الموظف من فساد الإدارة ثم يحتفظ بمعاملة على مكتبه يومين لأنه متضايق من صاحبها، وصاحب العمل يتحدث عن الأسرة الواحدة المُفكّكة عندما يأتى موعد المرتبات. ومع ذلك، لا أحب الجملة الكسولة التى نرددها كثيرًا: «أخلاق المصريين راحت». راحت فين؟ الأخلاق لا تركب ميكروباص وتختفى. السلوك يتغيَّر عندما تتغيَّر الظروف التى يعيش فيها الناس. حين يرى الإنسان أن القانون يُطبَّق على الجميع، يتعلَّم احترامه، وحين يكتشف أن المُلتَزِم يقف ساعة بينما صاحب «السؤال الصغير» ينجز مصلحته فى خمس دقائق، نبدأ فى مراجعة جدوى الفضيلة، وحين تصبح الحياة نفسها سباقًا على الرزق والمكان والخدمة، يخرج من البشر ما لم نكن نحب أن نراه، هذا تفسير، وليس تبريرًا، لأن هناك فى النهاية أشياء لا تحتاج إلى اقتصاد قوى ولا خطة خمسية..ألَّا ترمى قمامتك فى الشارع، ألَّا تهين من هو أضعف منك، ألّا تستغِل منصبك، ألا تأخذ ما ليس لك، ألا تعتبر احترام الآخرين نوعًا من السذاجة، وألا تحتاج إلى كاميرا لكى تؤدى عملك.
ربما لهذا عاشت جملة «القطنة ما بتكدبش» كل هذه السنوات. نحن بلد يحب الكلام، والخطب، والبيانات، واللافتات، والصور، والجمل الكبيرة. وكل واحد فينا تقريبًا لديه رواية ممتازة عن نفسه. المواطن مواطن صالح، والموظف يؤدى واجبه،والمسؤول يتابع بنفسه، والخدمة على أعلى مستوى، والأمور تمام. جميل جدًا. هات القطنة.
