مقال

تاتا تاتا.. خَلّيهم يجروا

بواسطة
في
سبتمبر 5, 2026

اكتشفتُ مؤخرًا أننى متأخر. ليس فى موعد، ولا فى تسليم مقال، ولا حتى فى الوصول إلى العيادة. أنا متأخر فى الحياة نفسها. الناس كلها تجرى، وأنا – لسبب لا أعرفه – ما زلت أمشى، والأسوأ أننى أحيانًا أقف. أنظر إلى شجرة، أشرب قهوتى على مهل، أتحدث مع إنسان من غير أن أمسك هاتفى، وأرتكب أحيانًا الجريمة الكبرى: أجلس عشر دقائق لا أفعل شيئًا. وهذه، بالمقاييس الحديثة، علامات فشل واضحة.

جاءتنى أغنية أمير عيد «تاتا» كأنها تطمئننى إلى أن هناك آخرين أصابهم المرض نفسه. يمشى «بشويش جدًا»، بينما الناس تجرى. والحقيقة أننى نظرت حولى فوجدت أن الرجل لم يبالغ؛ فنحن بالفعل نجرى، والمشكلة الوحيدة أننا لا نعرف إلى أين. نستيقظ فنجرى إلى الهاتف لنعرف ماذا حدث فى العالم أثناء الساعات التى تجرأنا فيها على النوم، ثم نجرى إلى العمل، ومن العمل إلى موعد، ومن الموعد إلى مطعم أصبح «تريند». ننتظر نصف ساعة لكى نجلس، ثم نقضى الساعة التالية فى تصوير الطعام، وقد يبرد الطعام، لكن الصورة تكون ممتازة. تطورت البشرية كثيرًا. كان الإنسان القديم يصطاد الغزال لكى يأكله، والإنسان الحديث يطلب الستيك لكى يصوره.

ثم ظهرت مرحلة أكثر تقدمًا: لم يعد مهمًا أن تكون سعيدًا، المهم أن تكون لديك صورة تثبت أنك سعيد. نرفع الكأس أمام البحر، ونمد القدمين أمام حمام السباحة، ونكتبLiving my best life، ثم نضع الهاتف جانبًا ونعود إلى الخناقة التى كنا فيها قبل التصوير بثلاثين ثانية. أحيانًا أشعر أن حياتنا أصبحت تحتاج إلى قسم علاقات عامة. لكل إنسان الآن نسخة حقيقية ونسخة إعلامية. الحقيقية تقلق من المستقبل، وتختلف مع زوجها، وتكره عملها أحيانًا وتشعر بالوحدة. أما النسخة الإعلامية فتسافر، وتأكل السوشى، وتشرب القهوة فى أكوابٍ أنيقة، وتعرف دائمًا أين تقف لكى يأتى الغروب خلفها بالضبط، والمشكلة أن النسخة الحقيقية بدأت تغار من النسخة الإعلامية لصاحبها.

ثم جاءت الماركات لتنقذنا من أزمة الهوية. إذا لم تكن تعرف من أنت، فلا تقلق؛ فيمكن للحذاء أن يجيب. والساعة أيضًا. والعربية بالتأكيد. ولهذا أعجبتنى «اللادا» فى الأغنية. اللادا هنا تكاد تصبح موقفًا من الحياة: عربية روسى، حمالة قسية، لا تعدك بأنك ستصبح شخصًا آخر بمجرد أن تجلس داخلها. ستوصلك فقط. وربما تتعب قليلًا فى الطريق. لكنها، على الأقل، لا تطلب منك أن تتظاهر بأنك إيلون ماسك وأنت ذاهب لشراء فول وطعمية.

لقد أصبح المظهر وظيفة كاملة. نذهب إلى الجيم لكى نصنع الجسم، ثم نشترى الملابس التى تظهره، ثم نختار المكان المناسب لتصوير الاثنين، ونعدِّل الإضاءة، وننشر الصورة، ثم نجلس نراقب عدد الذين ضغطوا على القلب، وبعد كل هذا نسأل: لماذا نحن مرهقون؟ لأنك يا عزيزى لم تعُد تعيش فقط. أنت تعيش، وتصوِّر أنك تعيش، وتراقب الآخرين وهم يشاهدونك تعيش، ثم تقارن حياتك بحياتهم. أربع وظائف فى وقت واحد، وفى وسط ذلك كله تظهر واحدة من أذكى أفكار الأغنية: قلوب كئيبة ووجوه مبتسمة. هنا تتوقف السخرية قليلًا. نحن نعيش فى زمن ازداد فيه عرض السعادة ربما أكثر مما ازدادت السعادة نفسها.

نرى حياة الآخرين من الخارج، ثم نحاكم حياتنا من الداخل. وهى مباراة غير عادلة؛ فأنا أعرف قلقى وخوفى وفشلى وأيامى الثقيلة، بينما لا أعرف عن الآخر إلا الصورة التى اختارها بعد أن حذف إحدى عشرة صورة قبلها. ثم أقول: لماذا هو سعيد وأنا لا؟ وقد يكون هو، فى اللحظة نفسها، ينظر إلى صورتى ويسأل السؤال نفسه. وهكذا تجرى الغابة كلها وراء بعضها. كل واحد يظن أن الآخر يعرف الطريق، والأطرف أننا اخترعنا أجهزة توفر لنا الوقت، ثم أصبحنا الجيل الذى لا يملك وقتًا. الغسالة تغسل، والهاتف يدفع الفواتير، والتطبيق يأتى بالطعام، والسيارة تعرف الطريق، والذكاء الاصطناعى يكتب ويلخص ويبحث، ومع ذلك إذا سألت أحدًا: «عامل إيه؟» سيجيبك غالبًا: «والله ما لاحق». لا أعرف بالضبط ما الذى لا نلحقه.

ربما الحياة نفسها، وهنا أحب «تاتا تاتا». ليست دعوة إلى الكسل أو العودة إلى الكهوف ومعنا اللادا الروسية. إنها فقط تضع أمام هذا الجنون سؤالًا بسيطًا: ماذا لو لم أجرِ؟ ماذا لو ذهبت إلى مكان جميل ولم أصوّره؟ جلست مع شخص أحبه ساعتين ولم أنظر إلى الشاشة؟ أكلت الطعام وهو ساخن؟ قد تبدو أفكارًا ثورية. لأن السير ببطء وسط قطيع يجرى يحتاج إلى شجاعة. الآخرون يتحولون إلى ساعة توقيت لحياتك.. تتزوج لأن أصحابك تزوجوا، وتشترى لأنهم اشتروا، وتسافر لأنهم سافروا، وتغيِّر العربية لأن الموديل أصبح قديمًا.

ثم، بعد سنوات من الجرى، تسأل نفسك السؤال المحرج: أنا كنت رايح فين؟ لهذا أحب أن أتصور صاحب الأغنية فى اللادا القديمة، يمشى ببطء، بينما تمر بجواره السيارات الفارهة. قد يصل بعدهم بعشرين دقيقة. لكنه ربما يكون قد رأى الطريق، وربما تحدث مع التى تجلس بجواره. أما نحن فقد وصلنا قبل الجميع. نزلنا بسرعة، وأخرجنا الهواتف، وبدأنا نتصور. لأننا، فى النهاية، لا يكفينا أن نصل. لا بد أن يعرف الناس أننا وصلنا. وأظننى، بعد كل هذا، سأظل متأخرًا قليلًا. تاتا تاتا. خلّيهم يجروا.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف