مقال

الواشي.. سيكودينامية «العصفورة»

بواسطة
في
أغسطس 22, 2026

جلس أمامى فى العيادة رجل يشكو من أن زملاءه فى العمل يتجنبونه، وأحيانًا يتعمدون إذلاله والسخرية منه. كان يشعر بأنه منبوذ، سكت قليلًا قبل أن يقول لى، بشىءٍ من الخجل: أصلهم اكتشفوا إن أنا «العصفورة».

توقفت عند الكلمة؛ فـ«العصفورة» كلمة مصرية تبدو خفيفة ووديعة، لكنها تخفى وراءها واحدة من أعقد العلاقات النفسية داخل الجماعات، قال إنه كان ينقل إلى رئيسه بعض ما يقوله زملاؤه، وما يحدث بينهم، ومن يشتكى، ومن يغضب، لم يكن يرى نفسه فى البداية واشيًا. كان يقول لنفسه إنه يساعد المسؤول على «معرفة اللى بيحصل»، شيئًا فشيئًا أصبح الرجل الذى يعرف، والذى يدخل إلى مكتب المدير ويخرج منه بينما تتبعه عيون الآخرين، ثم اكتشفوه، وعندئذٍ تغير كل شيء.

توقفوا عن الحديث أمامه، بعضهم واجهه، وبعضهم اختار العقوبة الأشد قسوة.. أن يتعامل معه كما لو أنه غير موجود. كان الرجل متألمًا بالفعل، ولم يكن ألمه تمثيلًا. وهنا وجدت نفسى أمام سؤال أكثر إثارة من إدانته أخلاقيًا: لماذا يفعل الإنسان ذلك أصلًا؟ ماذا يكسب الواشى نفسيًا من الوشاية، ولماذا يحتاج بعض أصحاب السلطة إلى شخص من هذا النوع؟

ليس الواشى بالضرورة كاذبًا. وهذه نقطة مهمة؛ فقد ينقل واقعة حدثت بالفعل، لكنه ينتزعها من سياقها، أو ينتقى منها ما يعرف أنه سيثير اهتمام المسؤول؛ فالوشاية ليست مجرد نقل للمعلومات، وإنما اختيار للمعلومة وتوقيتها والطريقة التى تُروى بها والغاية من نقلها، وربما لهذا كانت أحيانًا أخطر من الكذب الصريح؛ لأن جزءًا كبيرًا منها قد يكون صحيحًا.

أحيانًا نجد شخصًا لا يشعر بأن قيمته الذاتية تكفى لكى تمنحه المكان الذى يريده؛ فيبحث عن عُمْلَة أخرى يقدمها. والمعلومة هنا تصبح عملة. كأنه يقول للمسؤول دون أن ينطق: «أنا عيناك حين لا ترى، وأذناك حين لا تسمع. الآخرون يخفون عنك، أما أنا فأعرف وأخبرك». وهنا يحصل الواشى على مكافأة نفسية.. الإحساس بالأهمية. ذلك الموظف الذى لا يملك سلطة حقيقية يبدأ فى الشعور بأنه جزء منها. يكفى أن يدخل إلى مكتب المدير ويغلق الباب وراءه، أو أن يتحدث معه بصوت منخفض، حتى يشعر للحظات بأنه انتقل من صف المحكومين إلى جوار الحاكمين.

لكن «العصفورة» لا تستطيع أن تعيش وحدها. لا بد من قفصٍ يسمح لها بالطيران داخله؛ فالمؤسسات التى تزدهر فيها الوشاية غالبًا ما تعانى خللًا فى علاقة السلطة بالعاملين، وكلما غابت القواعد الواضحة، وضعفت معايير التقييم الموضوعية، وأصبح القرب من المسؤول أهم من جودة العمل، ارتفعت قيمة المعلومة السرية، ونشأ حول صاحب السلطة سوق غير معلنة للأخبار، والأخطر أن بعض المسؤولين يحبون العصافير.

يشعر المدير بالاطمئنان عندما يأتيه من يخبره بما يقال فى غيابه. يتصور أنه بذلك يعرف كل شيء ويسيطر على المكان. لكنه لا ينتبه إلى أنه بدأ يرى مؤسسته من خلال عيون شخص آخر. وبعد فترة قد لا يعود السؤال: «كيف يسير العمل؟»، وإنما: «ماذا قالوا عنى؟»، وعندئذ تدفع المؤسسة كلها الثمن.

تنخفض الأصوات عند دخول شخص بعينه. تتوقف الحوارات فجأة. يصبح السؤال قبل الكلام: «مين موجود؟». ويتعلم الناس أن الصراحة مخاطرة، وأن أفضل وسيلة للبقاء هى ألا تقول شيئًا يمكن نقله. وهكذا لا تقتل الوشاية علاقة بين شخصين فقط؛ إنها تقتل شيئًا بالغ الأهمية فى أى جماعة بشرية.. الثقة.

ما يحدث فى المؤسسات الكبرى يحدث أيضًا فى أصغر الأماكن. فى الشركة والمحل والعيادة والمكتب، بل وحتى داخل الأسرة. قد يتحول أحد الأبناء إلى ناقل دائم لأخبار إخوته إلى الأب أو الأم؛ فيكافأ بالقرب والرضا. وبالتدريج يتعلم الجميع أن البيت ليس مساحة آمنة، وإنما مكان ينبغى أن تحسب فيه كلماتك، أما الواشى نفسه فيدفع ثمنًا لا ينتبه إليه فى البداية؛ فهو يحتاج دائمًا إلى معلومة جديدة حتى يحافظ على أهميته.

وما كان مثيرًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم. لذلك قد يبدأ بنقل الوقائع، ثم ينتقل إلى التفسيرات، ثم إلى الظنون، وربما ينتهى بإضافة بعض البهارات. لقد أصبحت قيمته مرتبطة بما يحمله من أخبار الآخرين، عندما تقابل «عصفورة» فى مكان ما، لا تنظر إلى العصفورة وحدها. انظر أيضًا إلى القفص.. ومن يضع لها الحَبّ.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف