مقال

تنظيف فوضى الدماغ

بواسطة
في
أكتوبر 3, 2026

كم شخصًا يسكن رأسك ولا يستحق إيجار المساحة التى يحتلها؟ واحد أغضبك منذ خمس سنوات، وما زلت تتحاور معه قبل النوم. تقول له ما لم تقله وقتها، وتتخيل ردَّه، ثم تردّ عليه من جديد. وربما نسى الرجل الحكاية كلها، وكلمة قيلت لك فى اجتماع.

انتهى الاجتماع، وذهب كل واحد إلى حاله، لكن الكلمة لم تذهب. عادت معك إلى البيت. تذكرتها وأنت تقود السيارة، ثم وأنت تشرب الشاى، وربما ظهرت فجأة وأنت تحاول النوم. وعلاقة انتهت، لكنك ما زلت تحملها معك. وخلاف عائلى قديم لا أحد يتذكر كيف بدأ بالضبط، لكن الجميع يتذكر أنه غاضب من الجميع. وهكذا يصبح الرأس مزدحمًا، وفيه أيضًا مخزن للأشياء التى كان يجب أن تفعلها ولم تفعلها. مكالمة مؤجلة. زيارة. اعتذار. قرار. كشف طبى. ورقة حكومية. شيء مكسور فى البيت يحتاج إلى إصلاح. رسالة تنتظر منك ردًّا، فتؤجله إلى الغد، وفى الغد تؤجله مرة أخرى، وبعد أسبوع يصبح الرد عليها أصعب من الرسالة نفسها.

كل واحدة منها صغيرة، لكن المشكلة فى العدد. تظل مفتوحة فى الدماغ مثل نوافذ كثيرة على الكمبيوتر. لا تنظر إليها، لكنها موجودة، وبعد فترة يصبح الجهاز بطيئًا. وأنت أيضًا. ثم تقول: لا أعرف لماذا أنا مرهق، مع أننى لم أفعل شيئًا. ربما لأنك تحمل أشياء كثيرة لم تنتهِ، والذى يتعبنا أحيانًا ليس الأشياء الكبيرة، بل التفاصيل التى لم نحسمها. شيء صغير هنا، وآخر هناك، ومهمة مؤجلة، وشخص لم نقل له ما نريد، وقرار نعرف أنه ضرورى لكننا نؤجل مواجهته. نحتاج من وقت إلى آخر إلى سؤال بسيط: ماذا أستطيع أن أحذف؟ ليس كل شيء يحتاج إلى إصلاح. بعض الأشياء تحتاج فقط إلى أن تنتهى. وليس كل خلاف يحتاج إلى انتصار، ولا كل شخص يحتاج إلى رد، ولا كل رسالة تستحق إجابة، ولا كل إساءة تستحق أن نستدعيها كل ليلة ونفحصها من جديد. ولا كل خبر يستحق أن يدخل رأسك، والموبايل لا يترك لنا فرصة كبيرة للنسيان. نستيقظ فنفتح الأخبار. حادث هنا، مشاجرة هناك، تصريح مستفز، فيديو لشخص لا نعرفه، وتعليقات لأشخاص لن نقابلهم فى حياتنا. وبعد نصف ساعة نكون قد حملنا، فوق ما فى رؤوسنا أصلًا، فوضى نصف العالم. ثم نمضى إلى يومنا ونسأل: لماذا نحن متوترون؟

أفكر أحيانًا أن الإنسان يحتاج إلى تنظيف حياته بالطريقة نفسها التى ينظف بها مكتبه. نظف مكتبك. ارمِ ما انتهى. أصلح ما يمكن إصلاحه. أعد الأشياء إلى أماكنها. اترك الرصيف كما تحب أن تجده. لا تضف إلى قبح الشارع قبحًا جديدًا. وأغلق ما تستطيع من الملفات المفتوحة فى حياتك. اتصل بمن تؤجل الاتصال به. اذهب إلى الكشف الذى تؤجله. أنهِ الورقة التى كلما رأيتها قلت: غدًا. وإذا كنت مدينًا باعتذار فاعتذر. وإذا قررت ألا تفعل شيئًا، فليكن ذلك قرارًا أيضًا، بدلًا من أن يظل الأمر معلقًا فوق رأسك.

ثم تأتى المهمة الأصعب: أن تنظر إلى الفوضى الموجودة فى الداخل. من الذى يعيش فى رأسك بلا داعٍ؟ أى كلمة قديمة ما زالت تؤلمك؟ أى معركة انتهت منذ سنوات وما زلت تخوضها وحدك؟ وأى شيء تؤجله فقط لأن التأجيل أصبح عادة؟ ليست كل الذكريات عبئًا؛ فهناك أشياء نريدها أن تبقى. وجه نحبه. شخص رحل وما زلنا نحب أن يزورنا. موقف جميل لا نريد أن ننساه. حزن أصبح جزءًا منا، وليس مطلوبًا أن نمحوه. فالنسيان ليس دائمًا علاجًا، والذاكرة ليست دائمًا مرضًا. نحن فى النهاية حصيلة أشياء كثيرة عشناها، بعضها أفرحنا وبعضها أوجعنا. لكن هناك أشياء انتهى وقتها منذ زمن، ونحن الذين نرفض أن نتركها تذهب. ربما لأننا تعودنا عليها، وربما لأن الإنسان أحيانًا يخاف الفراغ، فيملؤه بأى شيء، حتى بما يؤلمه، ولعل أجمل ما نفعله بأنفسنا أن نتوقف قليلًا، ونراجع ما نحمله. نحتفظ بما يستحق، ونودّع ما لم يعد له معنى، ونمنح أيامنا فرصة جديدة لأن تبدأ أخف وأهدأ؛ فالفراغ ليس شيئًا سيئًا دائمًا. ربما نحتاج، من وقت إلى آخر، إلى مساحة فارغة. فى البيت، وفى الشارع، وفى الرأس أيضًا.

«لَمّا عَفَوتُ وَلَم أَحقِدْ عَلى أَحَدٍ.. أَرَحتُ نَفسى مِن هَمِّ العَداواتِ».

 

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف