عقدك النفسية ليست سجنك الأبدى
أمضيت سنوات طويلة أستمع إلى البشر، وما زلت أستمع إليهم فى عيادتى. قابلت من تعرضوا للقهر والإذلال، ومن حُرموا الحب والأمان فى طفولتهم، ومن حملوا إلى الكهولة جراحًا لم تلتئم. ورأيت، فى الوقت نفسه، بشرًا استطاعوا أن يتغيروا، وأن يعيدوا اكتشاف أنفسهم، وأن يتعلموا كيف يحبون ويُحَبّون، وكيف يتصالحون مع ماضٍ لا يستطيعون محوه.
فى عنوان كتاب «عقدك النفسية>> سجنك الأبدى»، للدكتور يوسف الحسنى، عبارة تستوقف القارئ وتدعوه إلى التفكير، لكنها تفتح أيضًا بابًا للاعتراض؛ فالعُقَد النفسية، أو ما نحمله من جراح وصراعاتٍ قديمة، قد تضيق بها الحياة فعلًا؛ لكن هل تظل سجنًا أبديًا؟ وهل يحكم الماضى مستقبل الإنسان حكمًا لا فكاك منه؟
لذلك أتحفظ على كلمة «الأبدى». لا لأننى أستهين بعمق الألم أو أعِد بالتغيير السهل، بل لأن الإنسان ليس مجرد حصيلة لما حدث له. إنه أيضًا ما استطاع أن يفعله بما حدث. وهذه القدرة ليست مطلقة، ولا تتاح للجميع بالدرجة نفسها؛ فالتغيير يحتاج إلى وقت، وعلاقة آمنة، وظروف تسمح للإنسان بأن يجرّب ما لم يستطع تجربته من قبل، ومن مزايا كتب التثقيف النفسى أنها تُخرج علم النفس من غرف العلاج إلى الحياة اليومية، وتدفع القارئ إلى تأمل علاقته بنفسه وبالآخرين. غير أن انتشارها يضاعف مسؤوليتنا فى التمييز بين التثقيف والتشخيص، وبين الصراع الإنسانى الطبيعى والاضطراب النفسى، وبين التفسير العلمى والتعميم السريع؛ فليس كل حزن اكتئابًا، ولا كل خوف اضطرابًا، ولا تكفى قراءة صفحات قليلة للتشخيص.
والنفس لا تتشكَّل فى فراغ. نحن لا نعيش داخل أنفسنا وحدها؛ فالمجتمع يسكننا أيضًا. هناك أب وأم، ومدرسة وشارع، وسلطة وفقر وخوف، وموروثات تحدد ما يُسمح لنا به وما ينبغى أن نخجل منه. قد يتحول صوت الأب الغاضب إلى رقيب داخلى، وتتحول إهانة المعلم إلى إحساس دائم بالنقص، ويصبح الخوف من كلام الناس أشد من الخوف من الخطأ نفسه. من هنا لا يمكن فصل النفسى العميق عن البيئى الاجتماعي؛ فما يحدث داخل النفس يرتبط بالعالم الذى تشكلت فيه.
وثمة سؤال آخر: لماذا يتمسك الإنسان أحيانًا بما يؤلمه؟ لماذا يعود إلى علاقة تجرحه، أو يخشى الحرية التى يتمناها، أو يشعر بالذنب كلما قال «لا»؟ ربما كان ما نسمِّيه اليوم عقدة نفسية وسيلة للنجاة بالأمس؛ فالطفل الذى تعلم الخضوع كى لا يفقد حب أمه قد يكبر عاجزًا عن رفض طلب بسيط. والمرأة التى تعلمت أن الحب مشروط بالطاعة قد تجد صعوبة فى تصور علاقة تقوم على الندية. ما حمى الطفل يومًا قد يصبح، بعد سنوات، قيدًا يعوقه، وفى العلاج النفسى نكتشف أحيانًا أن المشكلة ليست فى تذكّر الماضى، بل فى تكراره دون وعى. قد يختار الإنسان علاقات تشبه ما آلمه، أو يستدعى الرفض الذى يخشاه، أو يعاقب نفسه على رغبات لم يُسمح له بها. ليس لأنه يريد الشقاء، بل لأن المألوف، مهما كان موجعًا، قد يبدو أقل إخافة من المجهول، وهنا يصبح الوعى بالتكرار بدايةً لاحتمال تغييره، لا ضمانًا للتخلص منه.
والعلاج النفسى ليس رحلة للتنقيب عن الآلام القديمة فحسب، بل محاولة لإعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. ففى المسافة بين ما عشناه وما نستطيع أن نعيشه، تتولد إمكانية الاختيار، ويتراجع سلطان الماضى، دون أن تختفى آثاره أو ننكر ما تركه فينا، لكن فهم ذلك لا يعنى أن نُدين الطفولة أو نختزل الإنسان فى جرحٍ قديم. لا يكفى أن نكشف له جذور خوفه، أو نخبره أن أباه كان قاسيًا وأمه لم تمنحه الحنان الكافي؛ فالمعرفة وحدها لا تشفى دائمًا. قد تكون البداية أن يفهم كيف نشأ خوفه، لكن الطريق يمتد إلى خبرة جديدة: علاقة لا تعاقبه على الاختلاف، ومساحة آمنة يجرّب فيها الرفض، وإحساس متدرج بأن العالم الذى يخشاه اليوم ليس بالضرورة هو العالم الذى أخافه بالأمس، ولعل أخطر ما فى فكرة السجن الأبدى أنها قد تسلب الإنسان الأمل قبل أن يبدأ رحلته. فالماضى يترك آثاره، لكنه لا يكتب بالضرورة الفصل الأخير من حياتنا. قد لا نستطيع اختيار طفولتنا، ولا محو ما أصابنا من ألم، لكننا نستطيع أحيانًا إعادة النظر فى المعانى التى أعطيناها.
