مصر.. «عندما جاها نهار قِدِر يدفع مهرها»
كنت فى التاسعة عشرة من عمرى عندما وقعت هزيمة ٥ يونيو ١٩٦٧. وأقول «وقعت» لأننى لا أذكرها كخبر سمعناه فى الراديو، بل كشىء وقع فوق رؤوسنا بالفعل. رأيت الحسرة يومها، لا فى عيون الناس فقط، وإنما فى الأرض والطريق والسماء والشوارع. القاهرة نفسها بدت لى كأنها انطفأت. الناس يمشون ولا يكادون يتكلمون، والوجوه لا تسأل لأنها تخشى الإجابة. شىءٌ ثقيل كان جاثمًا على البلد، دخلت الهزيمة البيوت وجلست معنا إلى المائدة ونامت معنا فى الفراش. وقتئذٍ كان ينبغى أن يحلم الشاب بالحب والحياة والمستقبل، لكننى كنت أحلم بسيناء. والأغرب أننى لم أكن قد رأيتها. كنت أتخيل أرضًا كاملة ضاعت منا، وأرسمها فى يقظتى وفى نومى، وأشعر بشىءٍ يكاد يكون شخصيًا تجاه أرضٍ لم تطأها قدماى. «كنت باتقطع حتة حتة». وكان منتهى ما أتمناه أن أمسك سلاحًا وأذهب إلى الجبهة. وكان كثيرون من زملائى الطلبة يحملون ذلك الغضب نفسه، وذلك الإحساس المهين بأننا شباب فى مقتبل العمر بينما جزء من بلدنا محتل ونحن نقف هنا عاجزين.
وحين ذهبت مع الكلية فى رحلة إلى السويس، رأيت الجدران التى انكشف ما وراءها كأن أحدًا شقّ بطن المدينة وترك أحشاءها فى الهواء، ولأول مرة فهمت أن المدن أيضًا يمكن أن تُجرَح. ربما لهذا لم تكن الحركة الطلابية فى ١٩٧٢ و١٩٧٣ وما تلاهما بالنسبة إلى جيلى مجرد سياسة. كان تحتها جرحٌ نفسى مفتوح. كنا نريد أن نعرف: متى ستنتهى حالة الانتظار التى تأكل الأعصاب؟ كان هناك جيلٌ كامل يخشى أن يكبر قبل أن يفعل شيئًا. كانت سنوات ما بعد ١٩٦٧ ثقيلة لأن الهزيمة إذا طالت تتحول من واقعة عسكرية إلى حالة نفسية؛ يتسلل الشك من قدرة الجيش إلى قدرة المجتمع، ثم من قدرة المجتمع إلى قدرة الإنسان على نفسه.
ومن هنا أرى حرب أكتوبر بطريقة ربما تختلف قليلًا عما نقرؤها الآن فى كتب التاريخ. أنا لا أراها فقط قوات عبرت القناة، ولا طائرات أقلعت، ولا مدفعية فتحت نيرانها، ولا جنودًا حطموا خط بارليف. أراها أيضًا اللحظة التى بدأ فيها جيل بأكمله يسترد نفسه. كانت هزيمة ١٩٦٧ جرحًا هائلًا فى «الأنا» الجمعية المصرية. والأخطر أنها هدَّدَت العلاقة بين المصرى ونفسه، وبين الفرد ومجتمعه، وبين الناس ومؤسساتهم، وبين الحاضر والتاريخ الذى تربوا على الاعتزاز به. ولذلك لم يكن الخروج منها ممكنًا بخطاب حماسى. كان لا بد من الفعل.
وجاء الفعل بالتدريج. حرب الاستنزاف بمثابة تدريب نفسى على إمكانية المواجهة. الجندى يضرب ويصيب ويعود. ثم جاءت منظومة الدفاع الجوى وحائط الصواريخ، والاستطلاع والعمليات خلف خطوط العدو، والتدريب المتواصل، والخداع الاستراتيجى، حتى جاءت الثانية ظهر السادس من أكتوبر ١٩٧٣. وهنا حدث التحول؛ فالجيش الذى عاش كارثة ١٩٦٧ عبر القناة. الطيران المصرى ضرب أهدافه. المدفعية فتحت الطريق. واجه الجنود كل الأسلحة. وأصبح عبدالعاطى، صائد الدبابات، وأمثاله أكثر من أبطال عسكريين؛ فى الوعى الشعبى برهانًا حيًّا على أننا نستطيع.
لكن الجبهة الأخرى كانت فى الداخل. شعب تحمَّل التهجير والانتظار والخوف، ومدن دفعت ثمن موقعها، وعائلات عاشت سنوات وهى لا تعرف متى يأتى الخبر الذى تخشاه. فى لحظةٍ نادرة، اقتربت المسافة بين الجبهة والبيت. لم تكن الحرب شأن الجيش وحده؛ كان المجتمع كله تقريبًا داخلها، وهنا تكمن فى رأيى سيكوديناميا أكتوبر الحقيقية: استعادة الفاعلية؛ فالإنسان الذى تعرّض للهزيمة لا يسترد ثقته بأن تقول له إنه قوى. بل عندما يفعل شيئًا كان يظنه مستحيلًا ثم يكتشف أنه استطاع. وهذا بالضبط ما حدث للمصريين. لم تقل لهم أكتوبر: أنتم قادرون. جعلتهم يرون قدرتهم بأعينهم. لهذا عندما أتذكر ٦ أكتوبر لا أستطيع أن أفصله عن ذلك الفتى ذى التسعة عشر عامًا الذى كان يمشى بعد يونيو ١٩٦٧ ويرى الحسرة حتى فى السماء. ولا عن الشاب الذى وقف فى السويس أمام بيت مخرّم بالمدافع وشعر أن القذائف أصابت شيئًا فيه هو أيضًا. بين ذلك الشاب وبين يوم العبور ست سنوات فقط فى التقويم، لكنها نفسيًا كانت مسافة عمر كامل.
السؤال الذى لا يزال يهزنى شخصيًا هو: كيف خرج شعب من الصمت والحسرة والشك، واستعاد قدرته على الفعل؟
