امرأة مصرية عصرية، تزوجت فى منتصف العشرينيات من زميل وصديق، ثم انتهى الزواج بالطلاق. جاءت أصلًا من عائلة متشرذمة، فعرفت مبكرًا أن تعتمد على نفسها، وألّا تنتظر طويلًا من يلتقطها إذا تعثرت. عملت واجتهدت وصعدت ماديًّا، حتى أصبحت مرتاحة وقادرة على مواصلة الصعود. وفى خلفية المشهد كان هناك صديق قديم، يعرف شيئًا من رحلتها، ثم تغير موقعه فى حياتها وأصبح الرجل الذى يفكر فى الزواج منها، وكانت هى قد عَبَرَت لتوّها العام الأول بعد الثلاثين، ولا تزال فى أول العمر، بلا أولاد، والطريق أمامها مفتوح.
لكنها فاجأتنى بقولها إنها تريد، وبأشد ما فى الرغبة من صدق، أن تصبح «هانم».. تتزوج وتقعد فى البيت ولا تعمل، ويتولى زوجها إسعادها. لم تكن تقصد الذهب والفضة، ولا الأولاد، ولا السفر والترحال. كانت تريد شيئًا أبسط وأصعب: الراحة التامة. راحة البال والجسد والعقل والفكر والذهن. تريد أن تنسى الصدمات والمشقة التى عبرت بها، أو على الأقل أن تكف عن حملها معها إلى كل صباح جديد.
قد يبدو كلامها نكوصًا عن نموذج المرأة الحديثة التى تعلمت وعملت واستقلت. وقد تراها امرأة أخرى تهدم ما ناضلت النساء من أجله، أو يراها رجل زوجة مثالية لا تنازعه المجال العام. لكن النظر إليها هكذا يظلمها. هى لا تكره العمل، ولا تعجز عن مواصلة النجاح؛ إنها تعبت من الطريقة التى اضطرت بها إلى النجاح. هناك فرق بين أن تعمل المرأة لأنها تحب العمل، وأن تعمل طوال الوقت لأنها لا تثق فى أن أحدًا سيحمى ظهرها إذا توقفت. وفرق بين الاستقلال بوصفه حرية، والاستقلال بوصفه حكمًا مؤبدًا بألا تتكئ على أحد.
الطفل الذى يكبر داخل أسرة مفككة لا يخرج دائمًا ضعيفًا. كثيرًا ما يصبح شديد الكفاءة: يقرأ الوجوه، ويتوقع الأزمات، ويهدئ الآخرين، ويعتمد على نفسه. يبدو ناضجًا قبل أوانه، بينما يكون بعض هذا النضج ندبة حسنة الهندام. وقد فعلت هذه المرأة الشىء نفسه. حملت نفسها طويلًا، ثم حملت ألم الطلاق، وحولت الخسارة إلى حركة، والحيرة إلى خطط، والوجع إلى إنجازات. قال الناس إنها عرفت كيف تقف على قدميها، ولم يسألها أحد: وهل جلست أصلًا منذ سنوات؟
وحين تقدم الصديق القديم من خلفية المشهد إلى مقدمته، لم يكن غريبًا أن تبدأ معه من الصفر. كان يعرف المرأة التى سبقت الانكسار، ورأى شيئًا من مشقتها. لذلك لم يتحرك داخلها حلم بحبٍ جديد فقط، بل حلم بأن تسلم نفسها أخيرًا إلى شخص شهد الرحلة، فلا تضطر إلى شرحها من أولها. لم تعد تطلب قصة حب صاخبة، بل رجلًا يقول لها بالفعل: لقد تعبت بما يكفى، اتركى الحراسة قليلًا، لن يحدث شىء إذا لم تكونى أنت المسؤولة عن كل شىء.
نفهم هنا المعنى الكامن خلف صورة «سُكَّر هانم». ليست مجرد امرأة مدللة تريد رجلًا ينفق عليها، بل إنسانة تحلم بأن تسترد مرحلة لم تعشها. تريد أن تكون محمولة لأنها حملت نفسها قبل أن تقوى عضلاتها النفسية على الحِمل. ولكن الحلم المفهوم لا يصبح بالضرورة خطة حياة مأمونة. فالزوج المحب يستطيع أن يخفف العبء، لكنه لا يستطيع أن يمحو تاريخًا كاملًا، أو أن يصبح وثيقة تأمين ضد المرض والخسارة والتغير والخذلان.
وترك العمل ليس قرارًا ماليًّا وحده. فالعمل كان دليلًا على قدرتها، وحماية من التبعية، ومكانًا بنت فيه هويتها. قد تشعر فى البداية براحة مدهشة، ثم يستيقظ سؤال قديم: ماذا لو تغير الرجل، أو خسر، أو انتهى الزواج؟ وقد يتحول الزوج من مصدر أمان إلى مركز قوة تخشى فقدانه. من حقها أن تتعب، وأن تريد رجلًا كريمًا مسؤولًا يسندها. ومن حقها أن تتفرغ للبيت إذا كان ذلك اختيارًا واعيًا، لا قرارًا دائمًا اتخذته فى لحظة احتراق. وبين امرأة تطحن نفسها فى العمل وامرأة تسلم مفاتيح وجودها لرجل، توجد مساحة ثالثة: أن تستريح من دون أن تختفى، وأن تقبل الرعاية من دون أن تتحول إلى طفلة فى حضانة زوج.
حين قالت: «أريد أن أكون هانم.. سُكَّر هانم»، لم أسمع صوت امرأة تهرب من المسؤولية. سمعت صوت امرأة تعبت من البطولة، ولم تعد تريد أن تنجو كل يوم. تريد، ولو مرة، أن تعيش؛ فالاطمئنان ليس أن نجد من يحملنا إلى الأبد، بل أن نعرف أن لنا حقًا فى الراحة، وأن الحب مشاركة فى الحمل، لا نقل الحمل كله من كتف إلى كتف.
كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة