مقال

«العب يا حبيبي.. الورق اتغيّر»

بواسطة
في
سبتمبر 12, 2026

قعدوا الأربعة حوالين الترابيزة، والكوتشينة فى النُصّ.. واحد وزّع، والتانى بَصّ فى ورقه وقال: «إيه ده؟ هو مش الآس كان كبير؟»، ردّ صاحبه: «كان يا حبيبى.. كان». قال: «طَبْ الولد؟». «الولد بقى باشا»، «والبنت؟»، «معاها الجوكر»، الرابع سأل: «طب إحنا بنلعب إيه؟»، بصّوا لبعض، محدش عارف؛ فقال: «أُمَّال هنحسب النقط إزاى؟»، ردّ الموزع وهو يشرب الشاى: «نقط إيه يا أستاذ؟ إنت لسه عايش فى التسعينيات؟ العب بس»، قال: «ألعَب على أنهى قواعد؟»، ضحك الموزِّع: «يا حبيبى لو القواعد معروفة، أُمَّال إحنا قاعدين ليه؟».

ربما تكون هذه المائدة الصغيرة صورة مناسبة لمصر ٢٠٢٦. ليس لأننا جميعًا نلعب الكوتشينة، وإنما لأننا نعيش فى لعبة تتغير فيها قيمة الورقة بعد توزيعها، تتعلم أن الآس هو الأقوى؛ فتكتشف أن الجوكر دخل من خارج الترتيب، تحفظ القواعد، ثم يخبرك أحدهم أن القواعد القديمة انتهت، من دون أن يقول لك ما الجديدة، والأطرف أن الجميع يتصرفون كما لو كانوا فاهمين؛ فالاعتراف بأننا لا نعرف اللعبة أكثر إحراجًا من خسارتها. خذ التعليم، الورقة التى خبأتها الأسرة المصرية طويلًا فى صدرها، كان الأب يقول لابنه: «ذاكر علشان تبقى حاجة»، والولد يذاكر، ويتخرَّج، ثم يكتشف أن السؤال لم يعد: ما شهادتك؟ بل: إنجليزيتك إيه؟ عندك واسطة؟ بتشتغل Remote؟ بتقبض بالدولار؟ فينظر إلى الشهادة المُعلَّقة على الحائط، وتنظر الشهادة إليه، ويتفق الاثنان على ألّا يفتحا الموضوع.

هذه هى المفارقة الاجتماعية العميقة.. المجتمع لم يُلْغ القيم القديمة؛ أبقاها للزينة، ثم بدأ يكافئ بقواعد أخرى، ما زلنا نوقر الأستاذ الجامعى، ثم نكتشف أن تلميذه الذى يعمل من اللابتوب يكسب أضعاف دخله، نحترم الطبيب، ثم نسأله: عيادتك فين؟ ونقول إن المال ليس كل شيء، ثم نقيس النجاح بالشقة والسيارة والمدرسة والمصيف، تركنا القيم القديمة فى الصالون، وذهبنا نلعب بالقيم الجديدة فى المطبخ.

أما سيكولوجيًا فأكثر مكرًا، فالإنسان لا يحب أن يعترف بأن الورقة التى أمضى نصف عمره يجمع قيمتها انخفض سعرها، الأب لا يستطيع أن يقول لابنه: «الخريطة التى ربيتك عليها انتهت، وأنا نفسى لا أعرف الخريطة الجديدة»؛ فيُفَعِّل الجهاز النفسى ما يجيده: قليل من الإنكار، وقليل من الإسقاط، وكثير من التبرير. الرجل الذى لم يعد قادرًا على الإنفاق كما كان لا يقول: «قدرتى الشرائية تراجعت»، بل يقول لزوجته: «إنتِ مُبذِّرة»، والزوجة التى تخشى أن تكون الأسرة قد بدأت تنزل درجة لا تقول: «أعانى قلقًا طبقيًا»، بل تسأل: «إحنا ليه ما بقيناش نخرج زى زمان؟»، والابن لا يقول: «أعانى المقارنة الاجتماعية التى صنعتها المنصَّات الرقمية»، وإنما يقول لأبيه: «كل صحابى عندهم إلا أنا»، وهكذا تدخل الأزمة الاقتصادية إلى البيت متنكِّرة فى هيئة خناقة عائلية، ومن العيادة أعرف أن أحدًا لا يدخل قائلًا: «يا دكتور، عندى أزمة اجتماعية»، يأتى بالأرق، والعصبية، والصداع، والمعدة، والخلافات الزوجية، والإحساس بأنه تأخر بينما سبق الآخرون، وبعد قليل يظهر السؤال الحقيقى: «أنا عَمَلت كل اللى قالوا لى عليه.. أمَّال ليه مش عارف أعيش؟»، وحتى الطبقة الوسطى نفسها لم تعد تعرف أين تقف، أسرة تمتلك شقة تساوى ملايين ولا تجد سيولة كافية لنهاية الشهر، أستاذ جامعى يركب سيارة أقدم من سيارة شاب يعمل لحساب شركة أجنبية، أب يحمل شهادة كبيرة وابنه يسأله عن وظيفة لا يعرف حتى نطق اسمها، صار السؤال «بتشتغل إيه؟»، أقل أهمية أحيانًا من سؤال شديد الصراحة: «بتقبض بإيه؟». المشكلة إذن ليست أن الأوراق أصبحت كلها سيئة؛ فبعض الناس يحملون أوراقًا ممتازة، وبعضهم تعلَّم اللعبة الجديدة بسرعة، وبعضهم وجد مائدة أخرى خارج البلد، المشكلة أن العلاقة بين الجهد والنتيجة أصبحت أقل وضوحًا، وحين تضطرب هذه العلاقة ينتقل الاضطراب من الاقتصاد إلى النفس ومن النفس إلى البيت.

نحن أمام مجتمع ما زال يحتفظ بكتاب القواعد القديم فى المكتبة، بينما يلعب كل يوم بقواعد أخرى، لذلك لا تتعجب إذا رأيت لاعبًا يمسك ورقة كان يظنها رابحة، ويقلبها بين أصابعه، وينظر إلى الآخرين حائرًا ويسأل: «هى اللعبة اتغيرت إمتى؟»، سيأتيه الرَدّ المصرى البسيط من آخر الترابيزة: «من زمان يا حبيبى.. إنت بس كنت مركِّز فى ورقك، العَب. الورق اتغيّر».

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف