مقال

حين يسكن الرقيب داخلنا

بواسطة
في
أغسطس 29, 2026

كتب حمدى رزق فى «المصرى اليوم» عن الحرية والمعلومات والمسؤولية، قبل أن ينتهى إلى فقرة تحدث فيها عن خوف يعترى الكُتّاب والإعلاميين من المراقبة والتقييم والإحراج، وعن رقابة ذاتية تترك، على حد تعبيره، آثارها كـ«الندوب السوداء» على وجه الإعلام الوطنى.

فى علم النفس الدينامى، هناك فارق جوهرى بين الرقيب الموجود فى الخارج والرقيب الذى ينتقل، مع الزمن، إلى الداخل؛ فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى مَن يقول له: لا تتكلم. تكفى خبرات متكررة يتعلم منها أن لبعض الكلمات كُلفة، وأن الخطأ ربما يُحاسَب عليه، وأن الحدود ليست واضحة، عندئذٍ يبدأ العقل فى ممارسة أقدم وظائفه الدفاعية.. توقُّع الخطر قبل وقوعه؛ فيراجع الكاتب جملته قبل نشرها، ثم يراجع المراجعة، ومع التكرار لا يعود فى حاجة إلى رقيب؛ فقد أصبح يحمل رقيبه معه، إنه «الاستدماج»؛ فنحن نحمل داخلنا، منذ الطفولة، أصوات الأب والأم والمُدَرِّس والجماعة والسلطة الأخلاقية، وهذا ضرورى للحياة؛ فمن دون رقابة داخلية تصبح الحرية فوضى.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوَّل الضمير المنظِّم للسلوك إلى خوف استباقى. عندها لا يعود السؤال: «هل ما أقوله صحيح ومسؤول؟»، بل يصبح: «ماذا يمكن أن يحدث لى إذا قلته؟». وهذا هو الفارق بين الضمير المهنى والرقابة الذاتية الخائفة، والإنسان لا يتعلم الخوف من تجربته وحدها، بل مما يحدث للآخرين. فحين يرى زميلًا تعرَّض لمشكلة، أو يلاحظ أن مساحةً كانت متاحةً بالأمس أصبحت غامضة اليوم، لا يعود فى حاجة إلى تعليمات؛ فجهازه النفسى يتولى الباقى، هكذا ينتقل الخوف من الفرد إلى الجماعة، ويتحوَّل من انفعال شخصى إلى ثقافة غير مكتوبة، ومن هنا تأتى مفارقة خطرة؛ فكلما غابت الحدود الواضحة، اتسَّعت الحدود التى يرسمها الخوف؛ فالإنسان يستطيع التعامل مع الحَدّ المعروف، لكنه يقلق أمام الحَدّ الغامض. وإذا لم يعرف أين تنتهى المساحة المسموحة، فإنه، حمايةً لنفسه، يرسم مساحة أصغر، ثم يضيّقها مرة أخرى، حتى يصبح الممنوع الذى صنعه العقل أوسع من الممنوع، وهنا تكتسب قضية المعلومات التى أثارها حمدى رزق أهمية نفسية؛ فالمعلومة تقلل مساحة التخمين، وتلك أرض خصبة للقلق، وحين تغيب المعلومة الموثقة، يصبح الصحفى أكثر حذرًا، والمصدر أكثر تحفظًا، والمتلقّى أكثر شكًا.

ثم ندخل دائرة مغلقة.. نقص المعلومات يولِّد القلق، والقلق يولِّد التحفُّظ، والتحفظ يضعف تدفق المعلومات، فيزداد القلق، ومن الخطأ اختزال المسألة فى «صحفى خائف» فى مقابل «صحفى شجاع»؛ فالإنسان لا يعمل فى فراغ؛ هناك المؤسسة والزملاء والمصادر والقانون والجمهور والذاكرة المتراكمة، وما نراه من سلوك هو محصلة تفاعل كل هذه القوى.

لذلك فإن مطالبة الصحفى بالشجاعة وحدها تبسيط، مثلما أن إعفاءه تمامًا من مسؤوليته تبسيطٌ آخر، والخوف المستمر لا ينتج الصمت فقط، بل يؤثر فى نوعية التفكير؛ فالعقل المنشغل بتجنب الخطأ يستهلك طاقته فى الدفاع بدلًا من الاكتشاف. ومع الزمن تتشابه العناوين، وتصبح اللغة أكثر أمانًا وأقل حياة؛ لأن المساحات النفسية الآمنة قد ضاقت، وأتحفَّظ هنا على استخدام تعبير «الرُهاب النفسى» بمعناه الطبى؛ فالرُهاب تشخيص له شروطه، ولا يجوز أن نشخِّص به جماعة مهنية كاملة، لكن ما وصفه حمدى رزق يستحق الدراسة بوصفه سيكولوجية للرقابة الذاتية.

والسؤال ليس: هل الإعلاميون مرضى بالخوف؟ بل: ما الظروف التى تجعل إنسانًا طبيعيًا يتصرَّف كما لو أن الخطر حاضر، حتى عندما لا يراه؟ وربما تستحق هذه القضية أن يضعها وزير الدولة للإعلام أمامه؛ فتطوير الإعلام ليس استوديوهات أحدث، وشاشات أجمل، ودورات تدريبية أكثر فقط، بل هو بناء مناخ مهنى يعرف فيه الصحفى حدود مسؤوليته، ويحصل على المعلومة، ويستطيع أن يسأل ويختلف، وفى الوقت نفسه يتحمل مسؤولية ما يكتب وما يقول؛ فهناك فارق هائل بين صحفى يقول: «لن أكتب هذا لأننى خائف»، وآخر يقول: «لن أكتبه لأننى تحقَّقت منه فوجدته غير صحيح أو غير عادل».

الأول تحكمه غريزة النجاة، والثانى يحكمه ضمير المهنة، ولعل أخطر ما يفعله الخوف أن يتوقف الإنسان عن تسميته خوفًا؛ فيصبح الحذف حكمة، والصمت احترافًا، والتراجع تعقُّلًا، ثم تُنسى بالتدريج حدود المساحة التى كانت يومًا أوسع. عندها لا يعود السؤال: أين الرقيب؟ بل يصبح السؤال الأصعب: كم بقى من الرقيب فى الخارج، وكم منه أصبح يسكن داخلنا؟

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف