مقال

هجرة المصريين النفسية تسبق الطائرة.. لماذا يريد أولادنا أن يرحلوا؟

بواسطة
في
أغسطس 24, 2026

جلس أمامى فى العيادة شاب فى أواخر العشرينيات، خريج إحدى الكليات المرموقة، يعمل فى وظيفة لا بأس بها، ويتقاضى دخلًا كان يمكن قبل سنوات قليلة أن يجعله مطمئنًا إلى مستقبله. لم يأتِ يشكو من اكتئاب حاد، ولا من أزمة عاطفية، ولا حتى من مشكلة فى العمل. كان قلقه أكثر غموضًا من ذلك.

قال لى بعد دقائق من الصمت: «أنا حاسس إنى لو فضلت هنا، عمرى بيضيع»، سألته: «وعايز تعمل إيه؟»، أجابنى بسرعة، كأن الإجابة جاهزة منذ زمن: «أسافر»، لم يقل إلى أين. وحين سألته: أوروبا؟ الخليج؟ كندا؟ هز كتفيه وقال: «أى حتة.. المهم أسافر». توقفت عند الجملة. لم يكن أمامى شاب يحلم ببلد بعينه، أو بوظيفة محددة، أو بتجربة ثقافية جديدة. كان أمامى إنسان أصبح السفر عنده اتجاهًا نفسيًا قبل أن يكون وجهة جغرافية. كأن الخريطة كلها اختُصرت فى مكانين فقط.. هنا، وهناك.

وهنا مرتبطة فى ذهنه بالانتظار والقلق وضيق الاحتمالات، أما «هناك» فمساحة مفتوحة يضع فيها كل ما افتقده.. العمل، والدخل، والاستقلال، والزواج، والكرامة، وربما الأمل نفسه، والأغرب أننى لم أعد أسمع هذه الجملة من مريض واحد. أسمعها من شباب فى العيادة، ومن أبناء أصدقاء، ومن أسر قلقة على أولادها، وأسمعها فى أحاديث عابرة لا علاقة لها أصلًا بالهجرة. حتى بدا لى أحيانًا أننا أمام جيل لا يسأل نفسه: هل سأهاجر؟ بقدر ما يسأل: متى أستطيع أن أهاجر؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. لأننا عندما نجد الفكرة نفسها تتكرر على ألسنة آلاف الشباب، لا يعود كافيًا أن نفسرها بطموح شخص، أو ضيق شخص، أو أزمة شخص. عندئذٍ تصبح الهجرة نافذة نطل منها على مجتمع كامل.. على الاقتصاد، والحراك الاجتماعى، وصورة المستقبل، والعلاقة بالوطن، وعلى ذلك السؤال النفسى الأصعب: ماذا يحدث للإنسان عندما يشعر أن مستقبله موجود فى مكان آخر؟ كانت هناك صورة يعرفها المصريون جيدًا، خصوصًا منذ السبعينيات: رجل يغادر بيته إلى ليبيا أو العراق أو إحدى دول الخليج، تاركًا زوجة وأطفالًا، وفى رأسه جملة واحدة تقريبًا: أسافر عدة سنوات ثم أعود. يعود فى الصيف بحقائب ثقيلة وهدايا للأولاد، وربما بما يكفى لبناء بيت أو شراء أرض أو تجهيز شقة. كان الغياب مؤلمًا، لكنه فى المخيلة غياب مؤقت؛ فالمكان الذى يريد أن يعيش فيه فى النهاية ظل هو مصر.

بعد نصف قرن، تبدَّلت الصورة

شاب فى السابعة عشرة أو العشرين يجلس أمام هاتفه يبحث عن امتحان لغة، أو معادلة شهادة، أو جامعة أجنبية، أو شروط إقامة دائمة. وقد لا يكون فقيرًا ولا عاطلًا، وربما لم يدخل سوق العمل بعد. لكنه بدأ بالفعل يسأل: إلى أين أستطيع أن أذهب؟

ولعل صورة يومية صغيرة تكشف شيئًا من حجم هذا التطلع إلى الخارج. ففى أثناء إعداد هذه الدراسة تحدثتُ شخصيًا مع أكثر من مكتب سياحة عن صعوبة الحصول على مواعيد للتقدم إلى تأشيرات «شنجن». وكانت الإجابة لافتة: المواعيد تكاد تكون ممتلئة فى فترات كثيرة، إلى درجة نشوء سوق موازية غير رسمية تباع فيها المواعيد، بحسب ما أكده لى أكثر من مكتب، بمبالغ تبدأ من نحو ستة آلاف جنيه. بالطبع ليس كل من يطلب تأشيرة مهاجرًا؛ فهناك السائح والمريض والزائر ورجل الأعمال. لكن المشهد يظل كاشفًا عن المكان الذى أصبح يحتله «الخارج» فى المخيلة المصرية. وربما كانت المفارقة الأبلغ أن المصرى فى السبعينيات كان يبحث عن عقد عمل كى يسافر، بينما أصبح بعض المصريين اليوم مستعدين لدفع المال لمجرد الحصول على موعد يسمح لهم بأن يطرقوا باب السفر.

بين الرجل الذى كان يسافر لكى يعود، والشاب الذى يريد السفر لكى يبدأ، يمتد تاريخ اجتماعى ونفسى لا تحكيه أرقام المسافرين وتحويلاتهم وحدها، وإنما تحكيه البيوت التى تغيرت، والأسر التى عاشت سنوات من الغياب، والقيم التى عبرت الحدود، ومعنى النجاح الذى تبدل من جيل إلى آخر.

حين كان المصرى يسافر لكى يعود

مع الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينيات واتساع أسواق العمل فى الخليج، وانفتاح أبواب ليبيا والعراق، ظهر نموذج أصبح مألوفًا: المدرس والطبيب والمهندس والمحاسب والعامل والحرفى الذى يستطيع أن يضاعف دخله بمجرد عبور الحدود. ولم يكن الرجل يقول غالبًا: سأهاجر، كان يقول: سأسافر، والفرق أعمق مما يبدو؛ فالهجرة تحمل احتمال تغيير الوطن، أما السفر فكان رحلة لها نهاية. المشروع كله مؤجل إلى مصر.. البيت الذى سيبنيه هنا، والأرض التى سيشتريها هنا، والأطفال الذين سيعلمهم هنا، وكانت لذلك كلفة لا تظهر فى الحسابات الاقتصادية. غاب الأب عن تفاصيل الحياة اليومية، وتحملت الأم فى أسر كثيرة مسؤولية البيت والتربية، بينما ظل الأب صاحب السلطة الاقتصادية والرمزية من بعيد. وفى بعض البيوت نشأ تناقض غريب: الأب هو مركز الأسرة، لكنه ليس حاضرًا فيها.

ومن العيادة نعرف أن الغياب الطويل لا يمر دائمًا بلا أثر. أب يعود بعد سنوات فيريد ممارسة أبوة لم يعش تفاصيلها، وابن يرى الرجل العائد باعتباره مصدر السلطة أكثر من كونه مصدر الأمان، وزوجان يحاولان بعد سنوات من الحياة المتوازية أن يتعلما من جديد كيف يعيشان تحت سقف واحد. كان المال يعود أحيانًا أسرع من العلاقة، ولم تعد مع المسافرين الأموال وحدها. عادوا أيضًا بتصورات مختلفة عن العمل والاستهلاك والملبس وشكل البيت ومظاهر النجاح، وبأنماط مختلفة من التدين والممارسة الاجتماعية. ولا يجوز بالطبع اختزال التحولات التى شهدها المجتمع المصرى منذ السبعينيات فى الهجرة، لكن ملايين المصريين الذين عاشوا سنوات فى بيئات مختلفة عادوا حتمًا بشيء منها، وهكذا أصبح السفر تدريجيًا أكثر من حل اقتصادي؛ أصبح فكرة ثقافية عن النجاح.

من «هارجع» إلى «هاستقر»

الأجيال لا تكرر بعضها. الرجل الذى سافر فى الثمانينيات ربما ترك طفلًا فى مصر. ذلك الطفل كبر وهو يرى أن تحسين مستوى الحياة فى تاريخ أسرته ارتبط بالخروج من البلد، والأب كان يريد أن يجمع المال ويعود، أما الابن فقد يريد أن يبنى حياته هناك، وهنا تغير السؤال من: أين أحصل على دخل أكبر؟ إلى: أين أريد أن يعيش أولادى؟ ظهرت بقوة هجرة الاستقرار إلى كندا والولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا، وأصبحت الجنسية والإقامة الدائمة وتعليم الأبناء والرعاية الصحية تدخل فى الحساب. وفى هذا السياق أيضًا لا يمكن تجاهل الهجرة القبطية، التى اتجهت موجات منها منذ عقود إلى أمريكا الشمالية وأستراليا وأوروبا، واختلطت فيها الدوافع الاقتصادية والمهنية والتعليمية والاجتماعية، وأحيانًا البحث عن شعور أكبر بالأمان واتساع المجال الشخصى والدينى، وفى الوقت نفسه أصبح المصريون فى الخارج قوة اقتصادية هائلة. فقد تجاوزت تحويلاتهم فى السنوات الأخيرة أربعين مليار دولار سنويًا. والمفارقة تستحق التأمل.. الخروج الذى قد يمثل خسارة بشرية فى بعض القطاعات يمثل فى الوقت نفسه موردًا بالغ الأهمية للاقتصاد وللملايين من الأسر؛ فالمهاجر قد يغادر المكان، لكنه لا يغادر مسؤولياته. ثم بدأت الكفاءات تسأل السؤال نفسه؛ فلم يعد الأمر مقتصرًا على من يبحث عن فرصة عمل أفضل. الطبيب أصبح يقارن بيئة التدريب والتقدم المهنى، والمهندس والمبرمج والباحث أصبحوا جزءًا من سوق عالمى يبحث عمن يمتلك المهارة، لكن حتى تعبير «هجرة العقول» قد يصبح ظالمًا إذا استُخدم بنبرة اتهام؛ فالعقل لا يهاجر لأنه يكره وطنه بالضرورة؛ قد يهاجر لأنه يريد أن يعمل ويتعلم ويشعر بأن جهده يستطيع أن يتحول إلى حياة، ومن هنا ينبغى أن يتغير السؤال من: لماذا يتركوننا؟ إلى: ما الذى يجعل البقاء أقل جاذبية من الرحيل؟

«سنسافر»

لفتنى فى هذا السياق مقال للكاتب أكرم ألفى بدأه بمشهد بالغ الدلالة: نقاش بين تسعة شباب فى السابعة عشرة حول مستقبلهم، وكانت الكلمة المهيمنة على حديثهم: «سنسافر»، المهم ليس أن تسعة مراهقين يحلمون بالسفر؛ فهذا ليس جديدًا. المهم أنهم يفكرون فيه قبل أن يدخلوا أصلًا سوق العمل. هناك جيل سابق كان يتخرج ويعمل، ثم يكتشف أن دخله لا يكفى أو أن سقف تقدمه محدود؛ فيبحث عن الخارج. أما بعض أبناء جيل زد فيجهزون أنفسهم للرحيل قبل تجربة الداخل أصلًا. طالب الطب يعرف طريق المعادلات الأجنبية، وطالب الهندسة أو الحاسبات يتابع سوق العمل فى أوروبا والخليج، والأسرة نفسها قد تختار نوع تعليم ابنها واضعة فى ذهنها إمكانية استكمال حياته خارج مصر. إننا أمام انتقال من الهجرة كرد فعل إلى الهجرة كمشروع مسبق، وتزداد قوة هذا الاتجاه لأن العالم نفسه يبحث عن الشباب. مجتمعات أوروبية تشيخ، وأسواق تحتاج إلى الأطباء والممرضين والمهندسين والفنيين والمبرمجين، بينما تمتلك مصر كتلة بشرية شابة كبيرة، ومن ثم لا يمكن مواجهة الظاهرة بالمنع أو الوعظ. السؤال ليس: كيف نمنعهم؟ السؤال الأصعب: كيف نجعل البقاء احتمالًا منافسًا؟

حين ينغلق سلم الصعود

وراء كثير من أحلام الهجرة عامل نفسى اجتماعى لا يقل أهمية عن الراتب: الإحساس بالحراك.

يستطيع الإنسان احتمال ظروف متواضعة إذا شعر أنه يصعد، يبدأ براتب صغير لكنه يعرف أن خبرته ستزيد دخله، وأن اجتهاده سيغير موقعه، وأن السنوات القادمة قد تمنحه بيتًا وأسرة واستقلالًا.

تبدأ المشكلة حين يبدو السلم ثابتًا، وهذا مهم خصوصًا عند الطبقة الوسطى؛ فهى ليست بالضرورة الأكثر فقرًا، لكنها الأكثر وعيًا بالفارق بين ما تعلمه أولادها أن يطمحوا إليه وما يستطيعون الوصول إليه؛ فلقد أنفقت على التعليم واللغات، وعرّفت أبناءها بالعالم ورفعت سقف توقعاتهم، ثم قد تكتشف مفارقة قاسية.. كلما نجحت فى إعداد ابنها جيدًا، أصبح أكثر قدرة على الرحيل. بل أصبحت الأسرة نفسها أحيانًا تُعِدُّه لذلك. تدفع ثمن تعليم جيد، ودروس لغة، وتبحث عن المنح والمعادلات والجامعات الأجنبية، ثم تصل لحظة تحقق الحلم فتكتشف أن نجاح المشروع يعنى أن الابن قد لا يعود. تقول أم لابنها: «سافر، مستقبلك أهم»، ثم تبكى بعد أن يغلق الهاتف. وأب يتباهى بأن ابنته تعمل فى الخارج، لكنه يقضى العيد من دونها. الأسرة تريد لابنها أن ينجح، لكنها تريده أيضًا أن يبقى.

الهجرة النفسية تسبق الطائرة

وهنا أصل إلى جوهر ما يعنينى كطبيب نفسى. هناك إنسان يسافر لأنه حصل على عقد عمل، وهناك آخر لم يغادر بعد، لكنه بدأ ينسحب نفسيًا من المكان، يمكن أن يعيش فى القاهرة أو الإسكندرية أو المنصورة، يذهب إلى جامعته ويجلس مع أسرته، لكنه لا يرى فى خياله أى مشهد من مستقبله هنا. لا يريد شراء بيت لأنه «سيمشي». لا يبدأ مشروعًا لأنه «سيمشي». لا يرتبط بعمل طويل لأنه «سيمشي»، وقد تمر سنوات وهو لم يمشِ. لكن حياته نفسها تصبح صالة انتظار. هذه هى الهجرة النفسية: أن ينفصل الجسد عن المستقبل. الجسد هنا، لكن المستقبل هناك، وقد تكون أخطر أحيانًا من الهجرة الفعلية؛ لأن المهاجر الحقيقى انتقل وبدأ حياة أخرى، أما المهاجر النفسى فقد لا يكون هنا كاملًا ولا هناك كاملًا.

ومن أهم ما نعرفه نفسيًا أن الإنسان لا يحتمل الحاضر فقط وفق درجة صعوبته، وإنما وفق الصورة التى يحملها عن الغد. قد يتحمل حاضرًا شاقًا إذا اعتقد أن غدًا سيكون أفضل، وقد يعجز عن احتمال واقع أقل قسوة إذا شعر أن الغد مجرد نسخة مغلقة من اليوم، لهذا فالهجرة فى جوهرها ليست دائمًا سؤالًا عن الجغرافيا. إنها كثيرًا ما تكون سؤالًا عن المستقبل.

الخارج فى جيبك

وزاد الموبايل الأمر تعقيدًا؛ فالمهاجر المصرى القديم كان يعرف الخارج من خطاب أو صورة أو حكاية رجل عاد فى الصيف. أما الشاب اليوم فيحمله فى جيبه. يرى زميله فى مكتبه الجديد، والمترو، والشقة، والراتب، والعطلة. لكنه لا يرى بالقدر نفسه الوحدة، والضرائب، وصعوبة البداية، والقلق من الإقامة، والبرد والحنين وشيخوخة الوالدين بعيدًا عنه. السوشيال ميديا لا تكذب دائمًا، لكنها تنتقى. والشاب يقارن تفاصيل حياته كلها بأفضل اللحظات التى اختار الآخر أن ينشرها. لكن سيكون من السذاجة أن نلوم الموبايل وحده. التكنولوجيا ضخمت حلم الهجرة، لكنها لم تخترعه. فهناك ضغوط وطموحات حقيقية وراءه، والغربة ليست الجَنَّة المقابلة؛ فالمهاجر يدفع ثمنًا. قد يحصل على راتب أفضل لكنه يفقد شبكة اجتماعية كاملة. وقد ينشأ أبناؤه فى مجتمع يمنحهم فرصًا كبيرة، ثم يكتشف أنهم ينتمون إليه أكثر مما ينتمون إلى البلد الذى ظل هو يسميه «بلدنا».

ومن العيادة نعرف أيضًا أن بعض الناس يسافرون وهم يتصورون أنهم تركوا مشاكلهم خلفهم، ثم يكتشفون أنها وصلت معهم. القلق يعبر الحدود، ويعبر الاكتئاب، وصراعات العلاقات لا يحلها تغيير القارة بالضرورة؛ فالمكان الجديد قد يمنح الإنسان فرصة جديدة، لكنه لا يمنحه شخصية جديدة، ولهذا لا ينبغى أن نجعل البقاء بطولة والرحيل خيانة، ولا أن نجعل الرحيل ذكاء والبقاء فشلًا؛ فالقيمة أن يشعر الإنسان بأن اختياره حقيقى.. يبقى لأنه اختار البقاء، لا لأنه محاصَر؛ ويسافر لأنه اختار فرصة أخرى، لا لأنه يشعر أن الأرض تضيق تحته.

كيف نعيد المستقبل إلى خيال أولادنا؟

حين نسمع شبابًا فى السابعة عشرة يقولون «سنسافر»، لا يكفى أن نقول لهم: مصر جميلة فابقوا. ولا أن نقول: معكم حق، لا مستقبل هنا. كلا الجوابين أسهل من السؤال الحقيقى. ماذا ترون هناك ولا ترونه هنا؟ راتبًا؟ احترامًا للعمل؟ قدرة على التخطيط؟ مسارًا واضحًا للترقى؟ تعليمًا أفضل؟ أمانًا اجتماعيًا؟ أم صورة مثالية صنع جزءًا منها الخيال؟ علينا أن نسأل، ثم نحتمل الإجابة حتى إذا لم تعجبنا.

قبل خمسين عامًا وقف مصرى فى المطار يحمل حقيبة كبيرة، وقَبَّل أبناءه وقال: «كام سنة وراجع». كان يذهب بعيدًا لكى يبنى بيتًا هنا، واليوم قد يقف حفيده فى المطار نفسه، يحمل هاتفًا يحتوى حياته كلها. يسأله أبوه وأمه: «هترجع إمتى؟»، وقد لا يعرف ماذا يقول. ليس لأنه أقل حبًا لمصر من جدّه، وإنما لأن معنى السفر تغير؛ فالجدّ كان يعرف أين توجد النهاية، أما الحفيد فيبحث عن مكان البداية، ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم: لماذا يريد أولادنا أن يتركوا مصر؟ إن السؤال الأصعب هو: ما الذى لم يعودوا قادرين على رؤيته هنا، حتى بدأوا يبحثون عنه هناك؟ فالهجرة لا تبدأ عند السفارة، ولا عند شباك الجوازات، ولا عندما تقلع الطائرة. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ فى اللحظة التى يخرج فيها المستقبل من الوطن، بينما يظل صاحبه فيه.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف