كم أنفقنا على الثانوية… وماذا دفعت نفوسنا؟
جاءنى فى العيادة طالب بالثانوية العامة، جلس أمامى مطأطئ الرأس وقال: «أنا مش خايف من الامتحان يا دكتور قد ما أنا خايف أخيّب أملهم؛ بابا استدان، وماما ألغت حاجات كتير من مصاريف البيت علشانى». كان كلما حاول أن يذاكر تذكّر ما دفعته أسرته، فيزداد شعوره بالذنب، وتتسارع دقات قلبه، وتتبعثر المعلومات فى رأسه، حتى أصبح يقرأ الصفحة مرات ولا يتذكر منها شيئًا. لم يكن ينقصه الذكاء أو الاجتهاد، لكن العبء الذى وُضع فوق كتفيه كان أثقل من قدرته على الاحتمال؛ فتحوّل الضغط الذى مورس باسم النجاح إلى أحد أكبر العوائق أمامه.
نشرت «المصرى اليوم» فى ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ تحقيقًا استقصائيًا مهمًا بعنوان «بيزنس الثانوية»، كشفت فيه كيف تحولت الثانوية العامة إلى منظومة اقتصادية تلتهم ما يقارب ٦٠٪ من الميزانية الشهرية لبعض الأسر. لكنها فى جوهرها ليست أزمة تعليم أو إنفاق فحسب؛ فالمال المدفوع لا يشترى الدروس والمنصات وحدها، بل يحاول شراء شعور بالأمان افتقدته الأسرة المصرية، بعدما أصبح مستقبلها كله معلقًا على طالب واحد.
حين يشعر الإنسان بتهديد وجودى، يتوقف عن حساب المكاسب والخسائر بصورة هادئة، ويبدأ فى البحث عن أى شيء يمنحه وهم السيطرة. وهذا ما يحدث لكثير من الأسر المصرية مع الثانوية العامة. فالأب الذى يستدين، والأم التى تبيع جزءًا من مصوغاتها، والأسرة التى تعيد ترتيب أولوياتها بالكامل، يفعلون ذلك لأن عدم الإنفاق أصبح يساوى، فى اللاوعى الجمعى، التخلى عن مستقبل الابن. هذه ليست مجرد سوق للتعليم، بل سوق للخوف، هنا يتحول الطالب إلى «الحامل النفسي» للأسرة. لم يعد مجرد ابن يؤدى امتحانًا، بل أصبح يحمل أحلام والديه وإحباطاتهما وتعويضاتهما عن الفرص التى ضاعت منهما، ويصبح المجموع هو القيمة، ولذلك لا يخاف كثير من الطلاب من الرسوب بقدر خوفهم من خذلان آبائهم. إنهم يدخلون الامتحان مثقلين بشعور خفى بالذنب، وكأنهم مدينون للأسرة بكل ما أنفقته عليهم؛ فلا يذاكر الطالب حبًا فى المعرفة، وإنما خوفًا من خسارة الحب والتقدير.
لقد تغيرت وظيفة الثانوية العامة داخل المجتمع. كانت مرحلة تعليمية، ثم أصبحت بوابة للجامعة، أما اليوم فقد تحولت إلى طقس اجتماعى ضخم تشارك فيه الأسرة الممتدة والجيران والأقارب ووسائل التواصل الاجتماعى. الجميع يراقب ويقارن ويسأل عن الدرجات والمدرسين والمنصَّات وساعات المذاكرة. وعندما يصبح المجتمع كله منصَّة للمقارنة، يصبح الإنفاق وسيلة لإعلان أن الأسرة لم تقصّر.
واللافت أن أسرًا كثيرة تعرف أن جزءًا من هذا الإنفاق غير ضرورى، لكنها تستمر فيه خوفًا من الندم.. «ربما لو أخذ هذا الدرس الإضافى لتغيرت النتيجة». وهكذا تدفع الأموال لشراء راحة الضمير؛ فكلما ازداد غموض المستقبل، ازداد الميل إلى سلوكيات تمنح وهم التحكم فيه: مدرسون أكثر، ومذكرات إضافية، وساعات مذاكرة أطول. ليست كلها عديمة الفائدة، لكنها قد تتحول إلى طقوس لتهدئة قلق الأسرة أكثر من كونها وسائل لتحسين أداء الطالب، والأخطر أن الطفل يتعلم معادلة نفسية قاسية: «قيمتى تساوى إنجازى»؛ فإذا نجح شعر بأنه يستحق الحب، وإذا تعثر ظن أنه فقد قيمته. وقد تلاحقه هذه المعادلة فى الجامعة والعمل والزواج وعلاقاته الإنسانية.
لسنا ندعو إلى التقليل من أهمية الاجتهاد أو التعليم، لكن التعليم الحقيقى لا ينمو فى مناخ الخوف وحده؛ إنه يحتاج إلى الفضول والثقة، وإلى شعور بأن الإنسان أكبر من نتيجة امتحان واحد، والمطلوب ليس إلغاء الدروس أو إنكار أهميتها، وإنما إعادة وضعها فى حجمها الطبيعى، باعتبارها وسيلة مساعدة لا ضمانة للمستقبل. وعلى الأسرة أن تمنح ابنها رسالة واضحة.. نحن نساندك لأنك ابننا، ونثق بك سواء حققت المجموع الذى تتمناه أم لم تحققه؛ فالامتحان يقيس أداءك فى لحظة، ولا يقيس قيمتك الإنسانية أبدًا. لذلك فالسؤال ليس فقط: كم أنفقنا على الثانوية العامة؟ بل: ماذا دفعت الثانوية العامة داخل نفوسنا؟ إن أخطر ما فى «بيزنس الثانوية» ليس أنه يستنزف الجيوب فحسب، لكنه يستنزف النفوس أيضًا؛ فالمال يمكن تعويضه، أما النفس إذا تعلمت أن قيمتها تُقاس بالدرجات وحدها؛ فقد تظل سنوات طويلة تبحث عن نفسها بعد انتهاء الامتحانات؛ فالنجاح الحقيقى لا يصنعه الخوف ولا كثرة الإنفاق، بل تصنعه أسرة مطمئنة ترى ابنها إنسانًا، لا مجرد مجموع نهائى عابر.
