فى زمنٍ تتسارع فيه الأحداث إلى حدّ يُربك المعنى نفسه، لم تعد المشكلة فى ما يحدث فقط، بل فى قدرتنا على احتماله؛ فالعالم اليوم يعيش حالة قلق جماعى، حيث تختلط الوقائع بالتوقعات، وتتضخم الاحتمالات حتى تصبح أثقل من الواقع ذاته. فى مثل هذه اللحظات، لا تلجأ الدول فقط إلى الجيوش أو التحالفات، بل تلجأ أيضًا إلى اللغة. تُكتب البيانات، وتُصاغ الرسائل، وتُختار الكلمات بعناية، ليس فقط لنقل موقف، بل لخلق إحساس بأن الأمور لا تزال تحت السيطرة.
وهنا، تصبح اللغة أكثر من مجرد وسيلة تواصل؛ تتحول إلى أداة نفسية لاحتواء الخوف، لنسمع عبارات مثل «تقدم ثابت»، و«نتائج قريبة»، لا لأنها تعكس بالضرورة ما يجرى، بل لأنها تعكس ما نحتاج أن نصدقه.. إنها محاولة لإعادة ترتيب الفوضى بالكلمات، حين تعجز الوقائع عن أن تكون مطمئنة.
من هذا الباب يمكن قراءة رسالة رئيس وزراء باكستان، التى كُتبت على منصةX والتى لا تكشف فقط عن موقف سياسى، بل عن حالة أعمق بكثير… حالة عالم يحاول أن يُهدئ نفسه بالكلام.
نص الرسالة «الجهود الدبلوماسية من أجل تسوية سلمية للحرب الجارية فى الشرق الأوسط تتقدم بشكل ثابت وقوى، مع إمكانية الوصول إلى نتائج ملموسة قريبًا، للسماح للدبلوماسية أن تأخذ مسارها، أطلب من الرئيس ترامب تمديد المهلة لمدة أسبوعين، كما تطلب باكستان من الإخوة الإيرانيين فتح مضيق هرمز لمدة أسبوعين كبادرة حسن نية، ونحث جميع الأطراف المتحاربة على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لإتاحة الفرصة لتحقيق سلام دائم واستقرار فى المنطقة».
هذا نصّ يحمل فى طيّاته توتر اللحظة العالمية، عن حاجة نفسية عميقة إلى الإحساس بالسيطرة؛ فحين يكتب مسؤول بهذه اللغة الواثقة فى لحظة يغلب عليها الارتباك؛ فنحن أمام خطاب لا يطمئن الآخرين فقط، بل يحاول أن يطمئن نفسه أيضًا. إنها اللغة التى تظهر حين يصبح الواقع أكبر من القدرة على احتوائه؛ فيتم اللجوء إلى جُمل حاسِمة، قاطعة، شبه يقينية، كأنها تعاويذ لغوية ضد الفوضى.
اللافت فى الرسالة ليس مضمونها، بل بنيتها.. طلب من قوة عظمى، ونداء أخوى لطرف إقليمى، ودعوة عامة للجميع، توزيع متوازن ظاهريًا، لكنه فى العمق يكشف مركز الثقل الحقيقى، هذه الصياغة تشبه إلى حدٍ بعيد ما نراه فى النفس البشرية حين تحاول أن تبدو متماسكة.. توازن فى الكلمات، بينما الداخل يميل ناحية واحدة، إنها محاولة لصناعة حياد لغوى فى عالم لم يعد محايدًا.
ثم تأتى تلك اللحظة الكاشفة.. كلمة Draft التى ظهرت فى النسخة الأولى من الرسالة قبل حذفها، هنا، انفتح الستار لثوانٍ على ما لا يُفترض أن يُرى.. المسودة، قبل أن تتحول إلى بيان رسمى، تحمل ارتباكها، ترددها، وعدم اكتمالها. حذف الكلمة لا يمحو أثرها؛ بل يجعلها أكثر دلالة، كأن العالم كله شاهد، للحظة، كيف تُصنع الطمأنينة على عجل، وكيف تُكتب الثقة قبل أن تكتمل.
تكرار عبارة «أسبوعين» فى الرسالة ليس تفصيلاً عابرًا. إنه زمن قصير بما يكفى ليبدو ممكنًا، وطويل بما يكفى ليحمل وعدًا.. فى التحليل النفسى للخطاب، هذه الأرقام ليست محايدة؛ إنها أدوات لتنظيم القلق؛ فالإنسان، وكذلك الدولة، حين يعجز عن السيطرة على المدى البعيد، يلجأ إلى تقطيع الزمن إلى وحدات صغيرة قابلة للتحمل. أسبوعان… ثم نرى.
ما تكشفه هذه الرسالة، فى جوهرها، ليس فقط موقفًا سياسيًا، بل حالة إنسانية ممتدة.. عالم يبحث عن لحظة هدنة، لا لأنه قادر على صنع السلام، بل لأنه لم يعد يحتمل استمرار التوتر، لتصبح اللغة أداة تهدئة، لا حلًّا، خطاب يطلب تأجيل الانفجار، أكثر مما يقدّم طريقًا حقيقيًا لتفكيكه. وربما هذا هو الدرس الأعمق.. أننا حين نفقد السيطرة على الواقع، لا نتوقف عن محاولة تنظيمه، بل ننتقل إلى مستوى اللغة.
نعيد ترتيب الكلمات، نضبط الإيقاع، نختار أرقامًا تبدو معقولة، ونقول لأنفسنا وللعالم.. إن الأمور تسير، بينما الحقيقة، فى مكان آخر، أكثر تعقيدًا، وأكثر قلقًا، وأقل قابلية للطمأنة.
فى النهاية، ليست هذه رسالة عن الشرق الأوسط فقط، ولا عن باكستان، ولا عن السياسة الدولية، إنها مرآة لحالة أوسع.. كيف يتكلم العالم حين يخاف، وكيف يحاول أن يبدو مطمئنًا، حتى وهو لا يملك أسباب الاطمئنان.
كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة