مقال

موبايل وسيجارة.. المغيبون في الطريق

بواسطة
في
مايو 30, 2026

شىءٌ ما تغيّر فى المشهد الإنسانى اليومى، ليس فقط فى العمارات والإعلانات، بل فى طريقة سير البشر أنفسهم. أصبح الطريق ممتلئًا بأجساد تتحرك، لكنها لا تبدو حاضرةً بالكامل، وجوه نصف غائبة، عيون غارقة فى شاشات صغيرة، وأصابع تتحرك على الموبايل بسرعة تكاد تكون انعكاسًا عصبيًا لا إراديًا، بينما سيجارة مشتعلة تتدلّى من الفم، أو تُسحب بنَهَم، تمشى بجوارهم فتشعر أنهم لا يرونك أصلًا، وأنك بالنسبة إليهم مجرد جسم قد يصطدمون به فى أى لحظة. فى الطريق من البيت إلى العيادة، ومن العيادة إلى البيت، أرى المشهد نفسه يتكرر بصورة أقرب إلى الطقس الجماعى.

شباب، وكهول أحيانًا، يسيرون على غير هدى، كأنهم منوَّمون مغناطيسيًا، أحدهم يكاد يرتطم بك، يرفع عينيه لثانية مرتبكة ثم يعود فورًا إلى هاتفه، وآخر ينفث دخان سيجارته فى وجه المارة بلا اكتراث. المشهد فى ظاهره عادى، لكنه فى جوهره مرعب. لأننا لا نتحدث هنا عن عادة سيئة أو «قلة ذوق»، بل عن تحوّل نفسى واجتماعى عميق؛ فنحن أمام إنسان يعيش حالة انفصال تدريجى عن العالم الحقيقى، وعن جسده نفسه، وعن الآخرين، إنسان موجود بيولوجيًا فى الشارع، لكنه نفسيًا فى مكان آخر تمامًا.

الهاتف الذكى لم يعد مجرد وسيلة اتصال، لقد أصبح امتدادًا للجهاز العصبي؛ فكثيرون لا يحتملون السير دقيقتين دون النظر إلى الشاشة، ليس لأن هناك أمرًا مهمًا، بل لأن الفراغ اللحظى أصبح مرعبًا، لحظة الصمت القصيرة بين إشعار وآخر باتت تُشعر الإنسان الحديث بقلق خفى، يشبه أعراض الانسحاب لدى المدمنين.

لهذا يمشى البعض فى الشارع كما لو كانوا يهربون من شىء يطاردهم من الداخل.

أما السيجارة، فهى ليست بعيدة عن المعنى نفسه، فى الماضى كان التدخين يرتبط أحيانًا بالتأمل أو الهدوء أو «الروقان» كما يقول المصريون، أما الآن؛ ففى كثير من الأحيان، يبدو التدخين وكأنه عملية تهدئة عصبية عاجلة، لإنسان يعيش فى حالة استنفار داخلى دائم، كلها تفاصيل تكشف عن جهاز عصبى مُنهك لا يعرف كيف يهدأ.

وحين يجتمع الموبايل والسيجارة معًا؛ فنحن أمام صورة شديدة الدلالة لإنسان العصر الحديث: عقل مشتت، وجسد متوتر، وانتباه ممزق، ووحدة داخلية هائلة.

اللافت أن هذه الحالة لم تعد مرتبطة بطبقة اجتماعية بعينها، تراها عند طالب الجامعة، وسائق الأوبر، والموظف، والطبيب، والمراهق، ورجل الأعمال، وحتى بعض كبار السن الذين دخلوا متأخرين إلى هذا العالم الرقمى اللاهث، الجميع تقريبًا أصبحوا أسرى التدفق المستمر للمثيرات، إشعارات، فيديوهات قصيرة، أخبار عاجلة، تعليقات، رسائل، مقاطع لا تنتهى، كأن البشرية دخلت ماكينة ضخمة لطحن الانتباه الإنسانى.

حتى المشى فى الطريق لم يعد تجربة إنسانية كاملة، لم يعد الإنسان يرى الأشجار أو الوجوه أو السماء أو تفاصيل المدينة، أصبح الطريق مجرد «ممر زمنى» بين فيديو وآخر، أو بين سيجارة وأخرى. وهنا تكمن المأساة الأعمق.

لأن الإنسان حين يفقد علاقته بالعالم الحى من حوله، يبدأ تدريجيًا فى فقدان علاقته بنفسه أيضًا، ولذلك تزداد مشاعر الاغتراب، والقلق، والتوتر، والإحساس الغامض بأن الحياة تمر دون أن تُعاش حقًا.

حتى الاعتذار نفسه تغيّر، قد يصطدم بك أحدهم لأنه لا ينظر أمامه، ثم يتمتم بكلمة سريعة دون أن يرفع عينيه أصلًا، وكأن التفاعل الإنسانى الحقيقى أصبح عبئًا يجب اختصاره بأقصى سرعة للعودة إلى الشاشة.

وربما لهذا السبب أصبحت نوبات القلق، واضطرابات النوم، والاكتئاب، والشعور بالفراغ، أكثر حضورًا من أى وقت مضى، ليس فقط بسبب الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بل أيضًا لأن الإنسان الحديث لم يعد يجد مساحة داخلية يلتقط فيها أنفاسه النفسية.

إن أخطر ما يفعله الموبايل والسيجارة معًا أنهما يمنحان الإنسان وهم السيطرة بينما يبتلعانه ببطء، يظن أنه يهرب من التوتر، بينما هو فى الحقيقة يُبقى جهازه العصبى فى حالة يقظة واستنزاف دائمين.

السؤال الحقيقى الآن: هل ما زلنا نملك القدرة على أن نكون حاضرين فى حياتنا ولو قليلًا؟ هل نستطيع أن نمشى عشر دقائق دون شاشة؟ هل نقدر أن نجلس مع أنفسنا دون ضوضاء رقمية ودخان؟

وجوه تلمع بضوء الهاتف أكثر مما تلمع بالحياة نفسها، وبين أصابع تحمل الموبايل، وشفاه تلتهم السيجارة، يبدو الإنسان المعاصر وكأنه يختفى ببطء… وسط الزحام.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف