نشيخُ حين نُصدّق أننا شِخنا
فى العيادة، جلست أمامى سيدة فى الثانية والستين من عمرها، لكن ملامحها كانت تقول شيئًا آخر، ربما ثمانية وسبعين، ربما أكثر، لا أعرف، كان فى وجهها ذلك التعب الذى لا يأتى من السنوات وحدها، بل من الاستسلام لها، نظرت إلىّ وقالت بابتسامة خفيفة: «اعتبرنى زى والدتك… كإنك ابنى»، فقلت لها ضاحكًا: «ابنك إيه يا ست، ده أنا عندى …» وتوقفت الجملة فى منتصفها، ليس لأن الرد مهم، بل لأن المعنى كان واضحًا، هى لم تكن تخاطبنى كطبيب، بل كانت تعيد تعريف نفسها، تنقل نفسها من موقع امرأة ما زالت فى الحياة، إلى موقع آخر أقرب إلى الانسحاب، كأنها تقول: أنا انتهيت، تعامل معى على هذا الأساس، لم يكن هذا طلبًا للعطف بقدر ما كان إعلانًا داخليًا عن صورة استقرت فيها عن نفسها، صورة ربما سبقت عمرها بسنوات طويلة.
تلك اللحظة الصغيرة، العابرة فى ظاهرها، تحمل فى داخلها شيئًا أكبر بكثير، لأن السؤال هنا ليس كم عمر هذه السيدة، بل لماذا بدت أكبر مما هى عليه، ولماذا تحدثت عن نفسها وكأنها عبرت بالفعل إلى منطقة لا عودة منها، نحن لا نكبر فقط لأن الزمن يمر، بل لأننا نحمل داخلنا تصورًا محددًا عن الكِبر، تصور يتسلل إلينا منذ سنوات بعيدة، من مشاهد، من كلمات، من نظرات، من حكايات عن الراجل «اللى خلاص»؛ فيصبح هذا التصور جزءًا من تكويننا النفسى، وحين نقترب من العمر الذى كنا نخافه، لا نكتشفه، بل نُسقِط عليه كل ما خزنَّاه عنه؛ فنعيش الصورة قبل أن نعيش الحقيقة.
المفارقة أن ما بدأ يظهر فى السنوات الأخيرة من دراسات لا يقول إن الشيخوخة وهم.. لا ينكر أن الجسد يتغير، لكنه يقول إن التدهور ليس حتميًا بالقدر الذى تصورناه، وأن هناك من يتحسَّن بالفعل مع التقدم فى العمر، فى إدراكه، فى توازنه، فى علاقته بنفسه، وأن المسار ليس واحدًا، بل مفتوح على احتمالات، وأن ما نعتقده عن أنفسنا ونحن نكبر قد يكون عاملًا حقيقيًا فى تشكيل هذا المسار، كأن الإنسان لا يشيخ فقط لأن خلاياه تتبدل، بل لأنه اقتنع بأن هذا هو مصيره، فبدأ يعيشه.
فى العيادة، نرى هذا الفارق بوضوح؛ فترى شخصين فى نفس العمر تقريبًا، أحدهما يتعامل مع نفسه كأنه خرج من الحياة بالفعل، يقلل حركته، ينسحب من علاقاته، يراقب جسده بخوف زائد، يترهل نفسيًا؛ فيبدأ جسده بالفعل فى الاستجابة لهذا الانسحاب، والآخر، ربما يحمل أمراضًا أكثر، لكنه لا يرى نفسه خارج اللعبة، لا يزال يخطط، يخرج، يشتبك، يغضب، يضحك، يختلف، يعيش، الفرق هنا لا يمكن اختزاله فى الطب، بل فى العلاقة الداخلية مع الزمن، هل هو خصم ننتظر هزيمتنا على يديه، أم تحوُّل نحاول أن نفهمه ونتكيف معه دون أن نفقد أنفسنا؟!.
نحن هنا أمام منطقة لا يمكن الفصل فيها بين النفس والجسد، الفكرة تتحول إلى شعور، والشعور إلى سلوك، والسلوك إلى نمط حياة، ثم إلى مسار بيولوجى كامل، الذى يرى نفسه عاجزًا قبل أن يعجز، يتوقف عن استخدام ما لديه؛ فيفقده بالفعل، والذى يحتفظ بصورة أكثر اتساعًا عن نفسه، لا ينكر التغير، لكنه لا يختزله؛ فيظل منخرطًا، فيحافظ على قدراته وربما يطورها، ليست القضية أن نفكر بإيجابية، هذه لغة سطحية، بل أن نعيد النظر فى المعنى الذى نحمله عن أنفسنا ونحن نكبر، لأن هذا المعنى ليس مجرد فكرة عابرة، بل قوة فاعلة تشارك فى تشكيل الواقع.
والمشكلة أن المجتمع نفسه يعيد إنتاج هذه الصورة باستمرار، يعامل الكبير فى السن باعتباره فى طريقه إلى الانسحاب، يضيِّق عليه أدواره؛ فيستجيب هو لذلك.
ربما لا نستطيع أن نمنع التقدم فى العمر، لكننا نستطيع أن نمنع أن يتحول إلى حكم مسبق، أن نسمح لأنفسنا أن نعيشه كمرحلة لها خسائرها نعم، لكنّ لها أيضًا إمكانياتها المختلفة، هدوءها، ونوعها الآخر من الحضور، لأن الإنسان لا يشيخ حين تمر السنوات فقط، بل حين يصدق أن ما تبقى منه أقل مما كان، وحين يبدأ فى التعامل مع نفسه على هذا الأساس، وهنا فقط، يبدأ العمر فى أن يصبح عبئًا، لا لأنه كذلك بالضرورة، بل لأننا جعلناه كذلك.
