مقال

دراسة نفسية سياسية: المواطن العربى العادى يعيش فى قلب العاصفة منذ قرن

بواسطة
في
أبريل 20, 2026

حين ننظر إلى الشرق الأوسط لا نرى مجرد جغرافيا مضطربة، بل نرى تاريخًا لم يُغلق ملفه قط. من اللحظة التى تشكّلت فيها خرائط المنطقة الحديثة، لم تكن الحدود خطوطًا مرسومة على الأرض بقدر ما كانت خطوطًا محفورة فى الوعى والقلق الجمعى.

إن المواطن العربى العادى لم يعش يومًا خارج هذا التاريخ؛ بل كان دائمًا فى قلبه، حتى حين كان يظن أنه يعيش حياة بسيطة بعيدة عن السياسة؛ فالسياسة هنا ليست شأنًا فوقيًّا، بل قدرٌ يومى يتسلل إلى الخبز، والدواء، والأمان، وإلى أبسط تفاصيل الحياة.

وقبل أن نصل إلى «وعد بلفور»، لابد أن نتوقف عند لحظة أقدم: لحظة أفول الدولة العثمانية، إذ لم يكن سقوطها مجرد حدث سياسى، بل كان تفككًا لإطار كان، رغم كل عيوبه، يوفر قدرًا من الوحدة الرمزية. ومع انهياره، لم تُولد دول مستقلة بقدر ما وُلد فراغ. هذا الفراغ ملأته القوى الاستعمارية، لا فقط برسم الحدود، بل بإعادة تشكيل معنى الدولة نفسها. وهنا بدأت أولى طبقات القلق.. دولٌ وُلدت قبل أن تنضج مجتمعاتها سياسيًا، وحدود لا تعكس بالضرورة واقع الناس.

ثم جاء وعد بلفور كتكثيف لهذه اللحظة. لم يكن مجرد خطاب سياسى بل كان فعلًا نفسيًا عميقًا.. إعلانًا بأن مصائر شعوب يمكن أن تُقرَّر خارجها. وربما لهذا لا أستطيع شخصيًا أن أتعامل مع تلك اللحظة كواقعة تاريخية باردة؛ هى أقرب إلى جرح مفتوح فى الذاكرة. ومن هنا نشأ شعور مبكِّر لدى المواطن العربى بأن الأرض ليست ملكًا خالصًا له، وأن المستقبل يمكن أن يُعاد تشكيله بقرار بعيد. هذه الفكرة لم تُكتب فى الكتب فقط، بل ترسّبت فى اللاوعى الجمعى.. أن هناك دائمًا «قوة أعلى» تتحكم فى المشهد.

بعد الحرب العالمية الثانية، تراجعت القوى الاستعمارية التقليدية، خصوصًا بريطانيا وفرنسا، وظهرت الولايات المتحدة كفاعل مركزى. لكن التحول لم يكن تحريرًا كاملًا، بل إعادة تشكيل لنمط السيطرة. لم تعد هناك إدارة مباشرة، بل شبكة من النفوذ.. تحالفات، قواعد عسكرية، دعم سياسى، وضبط غير مباشر للإيقاع العام للمنطقة.

بالنسبة للمواطن العربى، لم يكن هذا التحول مريحًا. لم يشعر أنه خرج من عباءة السيطرة، بل انتقل إلى شكل أكثر تعقيدًا منها. لم يعد يرى «المستعمِر» بوضوح، لكنه يشعر بوجوده فى القرارات الكبرى. هذا الغموض زاد من القلق، لأن العدو غير المرئى أكثر إرباكًا من العدو الواضح.

إن تدخل الولايات المتحدة فى المنطقة لم يكن مجرد سياسات، بل كان لحظات فاصلة أعادت تشكيل الوعى الجمعى. من دعم أنظمة، إلى حروب مباشرة كما فى العراق وسوريا، إلى إدارة صراعات طويلة الأمد، أصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لتوازنات عالمية؛ فالمواطن العربى وجد نفسه يعيش فى منطقة يمكن أن تتحول فى أى لحظة إلى بؤرة صراع، دون أن يكون له دور فى إشعال هذا الصراع أو إيقافه.

وهنا يتكوّن أحد أخطر الأبعاد النفسية: الشعور بالعجز. أو ربما.. وهذا أدق، الإحساس بأنك تعيش داخل قصة لا تكتبها؛ فحين يشعر الإنسان أن مصيره لا يتحكم فيه، تتآكل لديه فكرة التخطيط للمستقبل. يصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل غامضًا، والماضى مليئًا بالجراح. ومن هنا نفهم انتشار القلق، والتوتر، وحتى اللامبالاة أحيانًا؛ فهى ليست ضعفًا فرديًا، بل استجابة لواقع طويل من عدم اليقين.

ولعل أحد أكثر الجوانب دلالة وأقلها تناولًا بصراحة هو علاقة الثروة العربية بالخارج؛ فبينما يعيش المواطن العربى داخل جغرافيا قلقة، تُهاجر الثروة نفسها إلى جغرافيا تبدو أكثر استقرارًا. الأموال العربية، التى كان يمكن أن تكون أداة لبناء الداخل، تُستثمر بكثافة فى الولايات المتحدة، وفى أوروبا، وفى ملاذات مالية مثل سويسرا. هذه ليست مجرد قرارات اقتصادية، بل تعبير نفسى عميق عن فقدان الثقة. وفى المقابل، حين شعرت دولٌ كبرى بأن سيادتها الرمزية على المحك، أعادت النظر فى موقع ثروتها نفسها؛ ففرنسا، على سبيل المثال، سعت إلى إعادة جزءٍ من احتياطها الذهبى إلى داخل حدودها، كأنها تقول إن الثروة لا تُحفظ فقط فى أكثر الأماكن أمانًا، بل فى أكثرها تعبيرًا عن الثقة بالنفس.

كأن رأس المال العربى نفسه لا يشعر بالأمان فى بيئته الأصلية. كأنه، مثل الإنسان يبحث عن «بيت طمأنينة» خارج حدوده. وأعترف أن هذه النقطة تحديدًا تزعجنى أكثر من غيرها؛ لأنها تكشف التناقض فى أوضح صوره؛ فالأرض التى تنتج الثروة لا تحتضنها، والمجتمع الذى يحتاجها لا يستفيد منها بالقدر الكافى؛ فيتحول المال من قوة تنموية داخلية إلى قوة دعم لاقتصادات أخرى أكثر استقرارًا.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف