مقال

في مسألة غياب الوعي الانتخابي

بواسطة
في
نوفمبر 29, 2025

كتب سليمان جودة فى «المصرى اليوم» ٢٢/١١/٢٥ «لا يتم التزييف ولا شىء منه إلا فى غياب الوعى، فإذا غاب الوعى أو جرى تغييبه، فمن السهل على المرشح سواء كان فردًا أو حزبًا، أن يدفع الناخب إلى انتخاب مرشحين لم يكونوا هُم الذين قصَد أن يمنحهم صوته، لو أن الأمر بقى فى يده بإرادته الحُرة. ولأن القصة كلها عبارة عن وعى لدى الناخب؛ فالقصة قصة تعليم أو لا تعليم لدى المواطن، ومن المفهوم أن حصاد التعليم بعيد المدى».

إن الوعى ليس «حالة»، بل نتيجة مسار طويل من التعرّض والانكشاف، يختزل المقال الوعى فى كونه مهارة فردية، أو قدرة عقلانية لدى الناخب، بينما الوعى فى التجربة السياسية الحديثة، هو محصّلة لعقود من تشكّل علاقة المواطن بدولته. يتحدَّد الوعى بما إذا كان الإنسان قد تعلّم أن صوته يُحدث أثرًا، وأن إرادته تُحتَرَم، وأن المجال العام ليس حقلًا مُغلَقًا، بقدر ما هو مساحة تتكاثر فيها الأصوات المتعارضة. الوعى هنا ليس «تعليمًا»، بل إحساس داخلى بأنّ المرء فاعل وله مكان وصوت، وأن الدولة ليست قوة غامضة تتحكم من فوق، بل علاقة متبادلة بين طرفين.

بدون هذا الإحساس، يصبح الحديث عن الوعى ضربًا من الحديث، عن جهازٍ دقيق داخل بيئة غير صالحة للعمل.

الوعى لا ينفصل عن شروط الحياة: الفقر، الخوف، هشاشة الأمان، والتزييف ليس عملية تقنية: مال سياسى، دعاية سلبية، إعادة توجيه الاهتمام.. ولا يتوقف عند حقيقة أن الوعى نفسه يتآكل تحت وطأة الفقر والحرمان والخوف؛ فالإنسان الذى يعيش يومه على حافة الانهيار لا يبحث عن الحقيقة، بل عن النجاة.

هنا تتجلى الطبيعة السيكودينامية للوعى: الجائع لا يُفكّر، والخائف لا يرى الحقيقة، ولا يستطيع أن يصوّت بحرية مهما رُدّد عن الوعى من أهمية وقداسة. إن الوعى ليس قرارًا، بل قدرة داخلية لا تزدهر إلا فى بيئة آمنة.

حين يشعر المواطن أن الدولة تراه، تحترمه، وتستمع لشكواه، كما حدث مؤخرًا، ولا تعامله باعتباره عنصرًا فى «كتلة بشرية»، تنشأ أول بذرة للوعى السياسى. هذا الوعى لا يخاف أن يخطئ، ولا يخاف أن يعلن رأيًا. أما حين يُربّى المواطن على أن الصندوق لا يغير شيئًا، وأن نتائج الانتخابات محسومة مسبقًا؛ فهنا لا يموت الوعى فقط، بل يتحول إلى نوع من «الواقعية السلبية»، التى يبرّر بها المواطن عزوفه عن المشاركة.

إن الوعى فى السياسة ليس مسألة معلومات، بل مسألة ثقة. والتزييف الخارجى يمكن فضحه، أما التزييف الداخلى فهو أخطر؛ فحين يكتسب المواطن ميلًا نفسيًا لا شعوريًا إلى التماهى مع أصحاب النفوذ، أو الإيمان بأن التغيير مستحيل، أو الشعور بالذنب عند التفكير فى الاعتراض. يُسمّى هذا بــ«القبول القهرى»؛ أن يقتنع الفرد بمن يخنقه، لأنه لا يستطيع تحمّل فكرة الخروج عن الصف. هنا تتجلى المشكلة: الوعى ليس هو أن تعرف الحقيقة، بل أن تتحمّل نفسيًا ثمن معرفتها.

إنها إعادة إنتاجٍ لا واعية للعلاقة الأولى مع السلطة الأولية: الأب، الأم، أو أى رمزٍ تأسيسى تشكّلت عنده مشاعر الأمن والخوف معًا. حين يواجه المواطن قوةً قاهرة، يستيقظ داخله ذلك الطفل القديم الذى تعلّم أن النجاة لا تأتى من الاعتراض، بل من التكيّف.

يطلب المقال من الدولة أن «ترغب» فى برلمان يعبر عن الناس، لكن الوعى، بصفته طاقة اجتماعية، لا يمكن أن ينمو بمجرد رغبة فوقية؛ فالوعى يحتاج إلى: مجال عام مفتوح، إعلام موضوعى، اشتباك نقدى يومى، حياة سياسية لا تُعاقَب فيها المعارضة، تعليم يفكّر ولا يلقّن.

بدون هذه العناصر، يصبح الحديث عن الوعى أشبه بالحديث عن زراعة أشجار فى الصحراء دون ماء. الخلاصة أن مقال الأستاذ جودة يحمّل الناخب مسؤولية الوعى، لكنه يتجنب سؤالًا جوهريًا: هل سُمح للوعى منذ ١٩٥٢ أن ينشأ أصلًا؟ إن الوعى لا يُخلق من فراغ، ولا من خطاب أخلاقى، ولا من لومٍ للناخبين، بل من بيئة تسمح للإنسان بأن يرى نفسه، ويثق فى صوته، ويشعر بأن إرادته لها وزن.

فى النهاية، الوعى ليس «ممتلكًا فرديًا»، بل هو مشروع دولة ومجتمع وثقافة. ومن دون هذا المشروع، سيظل التزييف ممكنًا، ليس لأن المواطن جاهل، بل لأن الوعى لم يُمنح شروط وجوده الطبيعية.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف