مقال

الطلاق في مصر ليس أزمة أرقام.. إنه انكشاف المعنى

بواسطة
في
أبريل 25, 2026

«رصدت روان طلعت فى (المصرى اليوم)، استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفاعًا ملحوظًا فى معدّلات الطلاق فى مصر فى ٢٠٢٤، بمعدل يقارب حالة كل دقيقتين، بزيادة قدرها ٧.٥٪ مقارنة بعام ٢٠٢١، مع تسجيل أعلى نسب الانفصال بين الفئات العمرية الشابة، خاصة فى سن ٢٥ عامًا». ليس مهمًا فقط أن نعرف أن هناك حالة طلاق كل دقيقتين، بل أن نسأل: ماذا يعنى ذلك؟

خلف كل رقم قصة لم تكتمل، وتصور قديم للحياة لا يصلح، ومع ذلك ما زلنا نتمسك به، نحن نواجه ارتباكًا عميقًا فى معنى الزواج نفسه.. هل هو استقرار؟ أم واجب؟ أم علاقة قابلة للتفاوض؟ أم مجرد محاولة للنجاة من الوحدة؟

إن المجتمع يتحرك ببطء غير متوازن؛ فالمرأة تغيرت أسرع مما يعترف به الخطاب العام: تعليم، وعى، قدرة على التسمية والرفض؛ فلم تعد تقبل الصمت كفضيلة، ولا الاحتمال كدليل قوة. فى المقابل، لم يتحرك تصور الرجل بالسرعة نفسها؛ فكثير من الرجال يحملون صورة قديمة لدورهم، بينما الواقع يسحب منهم أدوات هذه الصورة، دون أن يمنحهم بديلًا واضحًا، والنتيجة صدام بين زمنين داخل بيت واحد، والزواج نفسه دخل منطقة لم يُدرَّب الناس عليها؛ فلم يعد قائمًا على البقاء بأى ثمن، ولم يتحول إلى علاقة واعية تُدار بالتفاهم الحقيقى. نحن فى منطقة انتقالية: القواعد القديمة فقدت سلطانها، والجديدة لم تتشكل بعد. فى هذه المساحة الرمادية، يكثر الارتباك، ويكثر الانفصال. ليس لأن الناس أصبحوا أقل التزامًا، بل لأنهم أصبحوا أقل قدرة على الاستمرار فى علاقات، لا يفهمونها ولا يملكون أدوات إدارتها.

إن الزواج، فى جوهره، ليس عقدًا اجتماعيًا فحسب، بل لقاء بين تاريخين نفسيين. كل طرف يأتى محمّلًا بما لم يُحل فى داخله: خوف قديم من الهجر، واحتياج مبالغ فيه للاحتواء، غضب مكتوم، أو شعور دفين بعدم الكفاية؛ فما يبدو خلافًا يوميًا على تفاصيل صغيرة، قد يكون فى العمق صراعًا بين جروح قديمة تبحث عن تعويض، والبعض يدخل الزواج وهو يتصور أن الآخر سيشفيه، ثم يكتشف أنه يطالبه بما لا يمكن أن يُعطى.

فى هذه اللحظة، يبدأ الانكشاف. يسقط وهم أن الحب وحده يكفى، لتظهر انفعالات حادة: غضب، شك، انسحاب، أو سيطرة. ليس لأن الطرف الآخر تغيّر فجأة، بل لأن العلاقة كشفت ما كان موجودًا من البداية ولم يكن مرئيًا. وهنا يصبح الطلاق، فى بعض الحالات نتيجة متأخرة، والاقتصاد يزيد الصورة قسوة، فالضغوط المعيشية تضيق المساحات النفسية، وتجعل الاحتمال أقل، لكنها تصطدم ببناء داخلى هش أصلًا؛ فحين يكون الإنسان مستنزفًا، يصبح أقل قدرة على الاحتواء، وأكثر ميلًا للانفجار أو الانسحاب. وما ينفجر تراكمات لكل الضغوط.

بعض الطلاق لا يُدمّر، بل يكشف ما كان مكسورًا منذ البداية. زيجات عاشت طويلًا لا لأنها حيّة، بل لأنها محاصَرة. ومع أول شقّ فى جدار الخوف، ظهرت الحقيقة. الطلاق ليس حلًا، لكنه أحيانًا أول اعتراف.

إن المشكلة الحقيقية ليست فى أن الناس يطلقون أكثر، بل فى أنهم يدخلون الزواج دون إعداد نفسى حقيقى. لا أحد يعلّمهم كيف يختلفون دون أن يهدموا العلاقة، ولا كيف يطلبون ما يحتاجون إليه دون أن يتحول الطلب إلى اتهام، ولا كيف يتحملون الإحباط دون أن يشعروا بالإهانة.. نحن نُعِدّ الناس للنجاح المهنى، لكننا نتركهم يدخلون أهم علاقة فى حياتهم بأدوات بدائية، لذلك، لن يفيد كثيرًا أن نكتفى بالتحذير من الطلاق أو الدعوة إلى التماسك الأسرى بصيغ عامة؛ فما نحتاجه أعمق من ذلك: إعادة تعريف الزواج، ليس كواجب اجتماعى، بل كعلاقة تحتاج إلى وعى وتعلّم. نحتاج أن نفهم أن الاستمرار ليس قيمة فى ذاته، وأن الانفصال ليس دائمًا فشلًا أخلاقيًا، وأن العلاقة الصحية لا تُقاس بمدتها فقط، بل بقدرتها على الاحتمال والنمو.

الطلاق فى مصر ليس مجرد زيادة فى الأعداد، إنه إشارة إلى أن المجتمع كله يعيد التفاوض على معنى العيش معًا. وما لم ندخل هذا التفاوض بوعى، سيظل الرقم يرتفع، لا لأن الناس قرروا أن يفشلوا، بل لأنهم لم يتعلموا بعد كيف ينجحون، وربما لأنهم لم يتعلموا بعد ماذا يعنى أن يعيش اثنان معًا دون أن يختفى أحدهما.

 

 

 

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف