مقال

هل من الممكن أن نبني مجتمعًا سليمًا؟

بواسطة
في
يوليو 11, 2026

كأننا فى رحلة بحث طويلة عن بيتنا الكبير.. مصر. كلما حاولنا بناء جدرانه، نكتشف أن الحجر الحقيقى ليس طوبًا أو إسمنتًا، بل هو الإنسان الذى يُولَد كل يوم بحاجة إلى من يغرس فى روحه معنى الانتماء والصبر والأخلاق. هذه هى التربية، ذلك الخيط الخفى الذى ينسج ملامح الشخصية المصرية، لكن هذا الخيط اليوم أصبح متشابكًا بين عراقة الماضى وأسئلة الحاضر، وبات السؤال يتردد فى كل زاوية: كيف لنا أن ننسج مجتمعًا سويًا، ونحن نبحث عن بوصلتنا فى عاصفة من المتغيرات؟

ثمة خلطٌ شائع وخطير فى مجتمعنا بين مفهومى التعليم والتربية. التعليم هو نقل المعرفة والمهارات، أما التربية فهى صياغة الضمير وتشكيل الوجدان وبناء الشخصية المتكاملة، قد تمنح شابًا أعلى الشهادات، لكن إن افتقد إلى الصدق، أو الشعور بالمسؤولية، أو احترام الآخر، فأنت لم تُنشئ إنسانًا سوياً، بل صنعت إنسانًا يحمل علمًا بلا أخلاق. فى مصر، وفى مصر كثيرًا ما تتركز طاقة الأسرة والمدرسة على تحصيل الدرجات وكأنها الغاية القصوى؛ فنصنع متفوقين دراسيًا، بينما نهمش بناء الإنسان القادر على العطاء، والقادر على فهم معنى المواطنة، لأن المجتمع السوى لا تبنيه شهادات معلقة على الجدران، بل ضمائر حية تسكن الصدور.

يعيش الطفل المصرى حالة من الارتباك القيمي؛ فهو يسمع فى المدرسة عن احترام القانون، ثم يشاهد والده يخالف المرور أو يدفع رشوة لتسيير مصلحة. ويتربى على أن الصدق فضيلة، ثم يجد الكذب وسيلة أسهل للنجاة. هذه الازدواجية بين ما يُقال وما يُفعل تصنع شخصية منقسمة، تعرف الصواب نظريًا لكنها لا تملك الدافع لتطبيقه، ولا ترى نموذجًا حيًا يُحتذى به. وهنا يكمن الخطر الحقيقى، حين يتحول الانفصام بين القول والفعل إلى ثقافة سائدة ومقبولة. ثم تأتى المدرسة، التى تحولت إلى ما يشبه مصنعًا للشهادات؛ فالمناهج المكدسة التى تختبر الذاكرة، وانهيار الأنشطة المدرسية التى كانت تزرع روح العمل الجماعى والفن والرياضة، وتراجع مكانة المُدَرِّس حتى فقد جزءاً من هيبته وقدرته على التأثير كقدوة، كلها عوامل أفرغت العملية التعليمية من مضمونها التربوى. يخرج الطالب وهو لا يعرف معنى الانتماء الحقيقى، ولا قيمة التطوع، ولا حتى أبسط قواعد النظافة العامة أو آداب الحوار. وبالتوازى، يمارس الإعلام ووسائل التواصل دورًا أخطر، حيث يقدم نماذج سطحية للنجاح تقوم على ثقافة الثراء السريع، ويغرق النشء فى محتوى فارغ أو عنيف، تاركاً إياهم فريسة للتقليد الأعمى دون قدرة على النقد.

وفى قلب هذه المنظومة المنهكة، تقف الأسرة المصرية التى تواجه ضغوطاً اقتصادية هائلة، بينما تولت الشاشات مهمة التنشئة الفعلية. وضعف الحوار الأسرى، واختفاء جلسات الحكمة التى كانت تنتقل عبر الأجداد، خلق فراغًا نفسيًا وروحيًا هائلًا. وعندما ينشأ الطفل بلا بوصلة أخلاقية، فإنه يخرج إلى المجتمع وهو يحمل أنانية مفرطة، وإحساسًا ضعيفًا بالمسؤولية تجاه وطنه وجيرانه، واستعدادًا كامنًا لقبول الفوضى والتعدِّى على حقوق الآخرين طالما كان ذلك يحقق له منفعة آنية.

إن النتيجة الحتمية لإهمال التربية السوية تتجلى فى تفاصيل حياتنا اليومية؛ فى إلقاء القمامة فى الشوارع، وفى الغش المستشرى، وفى القيادة المتهورة، ومع هذا المشهد، يظل الأمل معقودًا على إدراك حقيقة أن الشخصية المصرية تمتلك فى جوهرها خامات استثنائية، من ذكاء فطرى وقدرة على التضامن فى الشدائد. لكن هذه الخامات تحتاج إلى مشروع تربوى وطنى شامل ينقذها من التشوه. مشروع لا يقوم على الترهيب، بل على غرس القيم بالحب والمنطق، وعلى صناعة قدوات حقيقية من المعلمين والمفكرين والفنانين. مشروع يبدأ من إصلاح مناهج التعليم لتحفز على التفكير النقدى والإبداع، ويمتد إلى إنتاج إعلامى هادف يخاطب وجدان الطفل، ويصل إلى تمكين الأسرة اقتصادياً واجتماعياً حتى يتفرغ الوالدان لدورهما التربوى الأهم. إن بناء مجتمع سوى فى مصر قضية وجود وأمن قومى. فكل مظاهر الفساد هى نتاج تربة خصبة من الفراغ القيمى. ولنفهم أن النيل الحقيقى الذى يروى مستقبل هذا البلد ليس مجرىً مائياً، بل هو نهر من الضمائر الحية والعقول المستنيرة.

إن الاستثمار فى تربية الإنسان المصرى ليس ترفًا، بل هو الاستثمار الوحيد الذى يضمن أن يبقى هذا الوطن قادرًا على بناء مجتمع سوى، يليق بتاريخه العظيم، ويمنح أبناءه مستقبلًا أكثر عدلًا وكرامة.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف