مقال

سردية يناير 2011.. قراءة في كلمة شيخ الأزهر

بواسطة
في
يناير 31, 2026

فى ٢٦ /١/ ٢٠٢٦، جاء فى «المصرى اليوم»، قال شيخ الأزهر إن «ثورة ٢٥ يناير محطة مهمّة فى تاريخ الوطن»، وكأن العبارة، بكل بساطتها، أعادت ترتيب علاقة مجتمع كامل بواحد من أكثر أحداثه التباسًا؛ فما قاله الإمام الأكبر لم يكن ثناءً سياسيًا، ولا مقولة إنشائية عابرة، بل إعادة فتح نافذة فى جدارٍ رُدِم طويلًا، وإعادة الاعتبار لذاكرة حاول كثيرون طمسها، أو تأويلها لصالح سرديات جديدة، والمفارقة أن كلمة واحدة «محطة»، أعادت التوازن لسؤال ظلّ مؤجلًا لسنوات: ماذا نفعل بتاريخنا القريب؟ هل نمحوه؟ أم نتصالح معه؟ أم نقرأه بهدوء، دون خوف أو احتفال زائد؟.

كانت يناير منذ لحظتها الأولى حدثًا يتجاوز توصيفات السياسة التقليدية. لم تكن ثورة ناجزة ولا مؤامرة مكتملة، بل انفجارًا اجتماعيًا عاشه المصريون كأنهم يستيقظون دفعةً واحدة على سؤال ظلّ مكتومًا طويلًا: ما معنى أن نكون مواطنين؟ وكيف تُبنى العلاقة بين الناس والدولة؟ وما الذى يجعل مجتمعًا يبدو ثابتًا لعقود، ثم يجد نفسه فجأة فى العراء أمام ذاته؟ كانت يناير خطوة فى وعى شعب أكثر مما كانت معركة على سلطة، ولهذا حملت من التناقضات ما يجعل كل محاولة لحشرها فى وصف واحد ضربًا من العجز؛ فهناك من رآها خلاصًا، ومن رآها تهديدًا، ومن عاشها كحلم لم يكتمل، ومن عاشها كصَدْمة لم يخرج منها بعد، وكل هؤلاء جزء من الحقيقة، لأن يناير كانت فى جوهرها مرايا متعددة، يرى كلٌّ فيها ما لم يجرؤ طويلًا على قوله.

الأزهر اليوم لا يتدخل فى السياسة بقدر ما يعيد ترتيب العلاقة بين الذاكرة والشرعية؛ فالذاكرة الوطنية، لا تستقيم إن كانت منقوصة أو مغشوشة أو مقموعة، والمريض الذى يفقد ذكرى صدمة ما، أو يخشى الاقتراب منها، يظل يعيش أثرها دون وعى، ويعيد إنتاج خوفه فى صورٍ أخرى، والمجتمعات كذلك: حين تُقصِى حدثًا مؤسسًا، تعيش حالة إنكار جماعى تحرمها من النضج، لذا تبدو كلمة شيخ الأزهر أقرب إلى العلاج منها إلى السياسة.. تهذيب للذاكرة لا تمجيد فيها ولا شيطنة، فقط إقرار بأن ما حدث قد حدث، وأن تجاهله لن يمنح المجتمع طمأنينة، بل ارتباكًا أطول عمرًا.

من دون قصة كبرى يصدقها الناس، يفقد الحاضر مبرره، لأن كل دولة تحتاج إلى محطات تعود إليها حين تتعثر، وتستند عليها حين تتقدم، وإنكار يناير يجعل العقد الماضى بلا باب يدخل منه إلى الفهم، وبلا سياق يسمح بتفسير ما حدث من ارتباكات وتغيّرات وانتقالات، وكمن يمحو سنوات من تاريخه الشخصى لأنه لا يريد تذكّرها، يبقى المجتمع فى حالة قلق مقيم، يتعامل مع ماضيه كشيء يتمنى زواله لكنه لا يتوقف عن مطاردته.

ولعل القيمة الأعمق فى الخطاب تكمن فى إعادة فتح المسافة بين مؤسسات الدولة وبين الناس.. سنوات طويلة سيطر فيها صوتٌ واحد على تفسير يناير، حتى بدا الحديث عنها، فى لحظات معينة، مخاطرة.

اليوم، يعيد الخطاب الدينى المتزن بعض الدفء إلى العلاقة الباردة بين الذاكرة والواقع، ويقول للمواطن العادى إن ما شعر به من أمل أو غضب أو رغبة فى التغيير، ليس خطيئةً ولا وهمًا؛ فهناك اعتراف ضمنى بأن العقل الجمعى لا يمكن أن يُدار بالقمع الرمزى، وأن الذاكرة تعود فى النهاية إلى الظهور.

وفى عمق هذا الاعتراف تكمن دعوة إلى شىء أبعد من السياسة.. دعوة إلى نضج وطنى يسمح بقراءة الماضى دون خوف، ويمنح الحاضر شيئًا من الثبات الداخلى؛ ففى الطب النفسى، لا تبدأ رحلة العلاج إلا حين يعترف المريض بما مرّ به، ويقبل أن ينظر إلى تجربته دون إنكار أو شكوى أو تمجيد.. وما يفعله الأزهر هنا يشبه هذا تمامًا، إفساح مجال لحديث هادئ عن لحظة عاشها المصريون جميعًا، لحظة أثرت فى ذاكرتهم الجماعية، وأعادت تشكيل علاقتهم بذواتهم، ولا تزال تلقى بظلالها على كل ما تلاه. وفى النهاية، تبقى الأسئلة مفتوحة، هل يصبح من الممكن قراءة العقد الماضى بعمق أكبر، بعيدًا عن التشنج والإنكار؟ من المؤكد أن يناير، بكل ما حملته من نور وظلال، صار الاعتراف بها محطةً مهمة ضرورة نفسية وتاريخية، يحتاجها مجتمع يريد أن يفهم نفسه، وأن يضع قدمه على أرض أكثر ثباتًا وهو يمضى نحو المستقبل.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف