مقال

عن العدالة الاجتماعية.. حين يتغير شكل الوجع

بواسطة
في
فبراير 28, 2026

تُظهر مقالة أنور الهوارى ٢١ /٢/ ٢٠٢٦ «المصرى اليوم»، صورةً مكثفةً لانهيار العدالة الاجتماعية فى مصر، يقدّم المشهد كمرآة لبنية اجتماعية تتدهور فيها منظومة الردع الأخلاقى، ويتراجع فيها الإحساس بالمساواة، ويصبح الظلم غير المكتوب هو القانون الفعّال الحاكم للعلاقات بين البشر.

لا يحتاج المجتمع فهم أين يقف ميزان العدالة، يكفى أن تتأمل وجوه الناس، أو تنصت إلى نبرة الشكوى اليومية التى تتكرر فى كل مكان، هناك شىء اختلّ بعمق، فى توزيع الكرامة، وفى اللحظة التى يصبح فيها الإنسان مستعدًا لتصديق أن كرامته يمكن أن تُنتهك بلا ثمن، يكون المجتمع قد دخل منطقة خطرة، تُقاس أساسًا بحيوية الروح العامة.

هنا والآن تبدو المفارقة واضحة.. نحن نتحدث عن خبرة معيشة، عن إحساس يتكرر فى تفاصيل صغيرة، نبرة أمر من صاحب سلطة صغيرة، نظرة تحقير فى موقف عابر، أو تمييز واضح فى خدمة أو وظيفة أو فرصة، القابلية الداخلية لتصديق أن هذا «طبيعى»، وحين يتعوّد المجتمع على الفارق الحاد بين من يملكون القدرة على الفعل، ومن لا يملكون إلا احتمال النتائج، تبدأ لعبة التطبيع.. الأخطر نفسيًا.

ما نراه اليوم لا يمكن ردّه إلى «طبقة غنية» تقسو على «طبقة فقيرة» فحسب؛ فهناك طبقات صاعدة فى المجتمع، تشكلت من اقتصاد سريع الإيقاع، غير شفاف، يُنتج ثراءً بلا سياق اجتماعى، هذا الثراء لا يحمل معه إحساسًا بالمسؤولية ولا خيالًا اجتماعيًا يرى الآخر شريكًا فى المجال العام؛ فتنشأ لغة علاقات استحقاق لا تُناقش، من يملك المال يملك المعاملة الخاصة، الوجاهة، الاحترام المُسبق، وحتى القدرة على النجاة من تبعات أفعاله، هنا يتشكل ما يمكن تسميته «ثقافة الامتياز غير المفحوص»، وهى ثقافة أشد خطرًا من الظلم نفسه لأنها تُقنع صاحبها أنه يستحق ما هو فوق القانون.

وحين يعتقد الإنسان أن مكانته محصّنة، يصبح رد فعله تجاه أى احتكاك أو خلاف، مشحونًا بالدفاع عن «حق مكتسب»، حتى لو كان هذا الحق غير مشروع، لذلك تظهر فى السلوكيات اليومية نبرةٌ حادة، ليست وليدة قوة حقيقية بقدر ما هى وليدة خوف داخلى من الانكشاف؛ فالصعود الاجتماعى السريع يخلق هشاشة، والهشاشة حين تُقابل بواقع غير مستقر تتحول إلى عدوان، وهو ليس فعل غضب، بل «ميكانيزم بقاء»، فى عالم يشعر فيه الفرد أنه مطالب دائمًا، بأن يثبت أنه أكبر مما يخبره به تاريخه الشخصى.

هذا يقودنا إلى البعد السيكودينامى؛ فالعنف الذى يظهر فى مواقف الحياة اليومية ليس، فى جوهره، محاولة لفرض السيطرة، بل محاولة للهروب من شعور دفين بالعجز؛ فكثيرون ممن يمارسون الإيذاء اللفظى أو الجسدى يحملون داخلهم تاريخًا من الإحباط أو التحقير أو المقارنة المستمرة؛ فالإنسان حين لا يستطيع مواجهة قهره القديم، يبحث عن شخص أضعف يحمّله هذا القهر، ولذلك يبدو العنف، حتى حين يكون غير مبرر، كأنه رد فعل مبرمج.. يدٌ تضرب قبل أن تفكر، ولسان يشتم قبل أن يحاور، إنها طريقة لا شعورية لقول: «أنا لست ذلك الضعيف الذى كان يُهزم من قبل».

لكن الحقيقة أن الضرب لا يصنع قوة، بل يصنع دائرة جديدة من هشاشةٍ أكبر.

فى الجهة الأخرى، نحن أمام موجة واسعة من «الفقر الداخلى»، الذى لا يقاس فقط بالدخل؛ فهناك فقراء جدد، ليسوا من هامش المجتمع، بل من طبقته المتوسطة، التى كانت يومًا ما تستند إلى نوع من الاستقرار، هذا الانهيار المفاجئ فى القدرة على العيش يخلق جرحًا نرجسيًا عميقًا؛ لأن الإنسان يفقد صورة نفسه القديمة، ويصبح مستعدًا لقبول ما لا يقبله، لا لأنه راضٍ، بل لأنه خائف من مزيد من السقوط.

وحين يتعرض البشر إلى ضغط اقتصادى متواصل يبدأ جسدهم النفسى فى الانكماش، تتراجع القدرة على الاعتراض، وتتآكل الثقة فى الاستحقاق، ويتحول الصمت إلى طريقة للحفاظ على الحد الأدنى من الأمان، ما يبدو من الخارج «خنوعًا»، هو فى الحقيقة مزيج معقد من الخوف والإنهاك وفقدان البدائل.

هكذا يلتقى الطرفان، المعتدِى والمعتدَى عليه، فى دائرة واحدة، لا تصنعها الأخلاق وحدها، بل تصنعها البنية الاجتماعية كلها، العنف من أعلى ليس قوة، بل دفاع، والصمت من أسفل ليس ضعفًا، بل حماية للنفس من الانكسار الكامل، وبينهما، مجتمع واسع يفقد «المسافة الآمنة» التى تسمح له بأن يعترض دون أن يخاف، أو أن يختلف دون أن يخسر، أو أن يطالب بحقه دون أن يُعاقَب.

المجتمعات لا تنهار حين يزداد عدد الفقراء، بل تنهار حين يفقد الفقراء إيمانهم بأن وضعهم قابل للتحسن، والمجتمعات لا تتفسخ حين يزداد عدد الأغنياء، بل حين يتصرف الأغنياء وكأنهم خارج العقد الاجتماعى، والعدالة الاجتماعية ليست مسألة توزيع مال، بل مسألة توزيع ثقة، هذه الثقة هى التى تجعل الإنسان يشعر أن صوته مسموع، وأن كرامته غير قابلة للتفاوض، وأن القانون ليس مجرد نص بل ضمانة.. لذلك يصبح السؤال الحقيقى: ماذا نفعل كى نمنع تحوّل الظلم من سلوك فردى إلى نمط حياة؟.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف