وعلى الضفة الأخرى تقف شخصية الزوج، كما تجسدت فى «عونى»، لا باعتبارها مجرد طرف مخدوع فى الحكاية، بل باعتبارها نموذجًا دالًا على شكل آخر من الضحايا الصامتين، وهنا يبرز أداء حمزة العيلى بوصفه أحد أهم مفاتيح قراءة هذه الشخصية، إذ قدّم نموذجًا نادرًا فى التمثيل الصامت، حيث لم يعتمد على الخطابة أو الانفعال الظاهر، بل على خلجات وجهٍ دقيقة، ونظرات عينين تحملان ما لا يُقال؛ فعبّر عن مكنونه قبل المعلن، وعن تاريخه النفسى قبل كلماته، باقتصاد فذ فى اللغة الجسدية، حتى بدا وكأنه يكتب الشخصية من الداخل لا يمثلها من الخارج، وهو أداء صعب تفوّق فيه على نفسه، ودخل به بجدارة باب النجومية الحقيقية التى لا تقوم على الحضور الصاخب، بل على القدرة العميقة على الإمساك بما هو خفى ومسكوت عنه.
هذا الرجل البسيط حسن النية لم يُخدع فى معلومة عابرة، بل تعرض لهجوم مباشر على جوهر هويته الذكورية كما يصوغها المجتمع، إذ قيل له إنه العقيم فصدّق، لا لأنه ساذج فقط، بل لأن علاقته كلها كانت قائمة على اختلال قوى واضح بين امرأة مسيطرة ورجل يبحث عن القبول والسلام وتجنب الصدام، ومع الوقت تصبح الرواية المفروضة حقيقة داخلية، ويعيش الرجل داخل شعور بالنقص، وينكمش، ويتجنب المواجهة، ويتحول العجز الذى أُلصق به من اتهام خارجى إلى جزء من تعريفه لذاته، من هنا تبدو لحظة انكشاف الحقيقة وإعادة بناء حياته، ثم زواجه وإنجابه، لحظة شديدة الأهمية نفسيًا، لأنها لا تمثل مجرد تكذيب لادعاء قديم، بل تمثل تحررًا متأخرًا من هوية مفروضة، واستعادة لحقه فى أن يكتب نفسه خارج الرواية التى عاش محبوسًا داخلها سنوات. وحين يواجهها بوجه جديد وشارب قوى ونظرة صافية فهو لا يستعرض انتصارًا ذكوريًا فقط، بل يعلن انفصالًا نفسيًا كاملًا عن الماضى، كأن الواقع نفسه قرر أخيرًا أن يفكك الكذبة من داخلها.
الطفل.. الهوية الممزقة.. والمأساة الوجودية
لكن المأساة الأعمق تظل كامنة فى مصير الطفل الذى كبر داخل هذه الكذبة، لأن الجريمة فى صورتها الأكثر قسوة لا تكمن فقط فى اختطافه من أمه الأولى، بل فى تكوينه النفسى كله داخل حقيقة ليست حقيقته؛ فالطفل لا يعرف الأم بيولوجيًا فى البداية، بل يعرفها كموضوع نفسى أول، كحضن وصوت ورائحة وإيقاع استجابة وطمأنة، ولذلك فإن المرأة التى ربته، حتى لو كانت خاطفة، تصبح فى جهازه النفسى أمًا فعلية من حيث الارتباط، وهنا تنشأ المعضلة المستحيلة؛ فحين يُقال له لاحقًا إن اسمه ليس اسمه، وإن أمه ليست أمه، وإن تاريخه الشخصى قائم على اختلاق، فإنه لا يواجه مجرد تصحيح معلومات، بل يواجه ارتجاجًا فى البنية الأساسية للهوية، والاستمرارية التى تُبنى بها الذات منذ الطفولة تنكسر فجأة؛ فيشعر الإنسان، أى إنسان فى موضعه، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، لذلك فإن تمسكه بمن ربّته لا يعنى حبًا للشر ولا دفاعًا عن الجريمة، بل يعنى وفاءً لمصدر الأمان الأول، ومحاولة يائسة لحماية تماسكه الداخلى من التفكك.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم ذلك الشغف المصرى اليومى بالسؤال عن الأصل والنسب وعبارات مثل «إنت ابن مين يا وله؟»، التى تبدو فى ظاهرها عفوية شعبية، لكنها فى العمق تشير إلى مركزية السلسلة والاسم والانتماء فى تشكيل القيمة الإنسانية داخل الثقافة.
إن الإنسان عندنا لا يُنظر إليه باعتباره ذاتًا مستقلة وحسب، بل باعتباره امتدادًا لاسم وعائلة ومرجعية، لذلك فإن انكسار قصة الأصل لا يصيب معلومة نسبية فقط، بل يصيب البناء الرمزى للذات، وحين يبحث هذا الابن عن جذره البيولوجى فهو لا يبحث عن فضول معرفى، بل يبحث عن مرآة مفقودة، عن جملة قد تساعده على أن يقول «أنا» بشكل متماسك، لكنه فى الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن الأم التى ربته ولو لحين، لأنها ليست أمًا بيولوجية فحسب أو ليست بيولوجية أصلًا، بل أم نفسية بكل معنى الكلمة، وهنا يبلغ العمل الدرامى ذروته المأساوية.. حقيقتان صحيحتان نفسيًا لكنهما لا تلتقيان، حقيقة الدم وحقيقة الارتباط، حقيقة القانون وحقيقة المشاعر، حقيقة الجريمة وحقيقة الأمومة الشعورية.
فى تلك المشاهد التى يذهب فيها الابن إلى نرجس بعد أن عرف، أو ينهار فى حضنها طالبًا الحقيقة ومتشبثًا بها فى الوقت نفسه، نكون أمام واحدة من أكثر المفارقات السيكودينامية تعقيدًا فى الدراما الحديثة. هو لا يذهب إليها لأنها بريئة، بل لأنها وطنه النفسى الأول. وهى لا تتمسك به فقط لأنها كاذبة، بل لأنها لا تستطيع أن تتخلى عن التعريف الوحيد لنفسها الذى أنقذها من الانهيار: أنا أم، ومن هنا فإن رفضها الاعتراف حتى وهى تحت وطأة المرض والموت لا يبدو مراوغة قانونية، بقدر ما يبدو دفاعًا أخيرًا عن بقايا الذات، الاعتراف عند هذه النقطة لم يعد يعنى كشف الحقيقة فحسب، بل يعنى انهيار كل ما استندت إليه حياتها، والوقوف عارية أمام نفسها قبل الآخرين بوصفها امرأة عاقرًا ومذنبةً وسارقةً ومُدمرةً لمعنى الأمومة ذاته، لذلك تموت، وهى متشبثة بالصورة الأخيرة التى تمنحها تماسكًا: أنها أم، ولو كانت أمومتها قد بُنيت على انتهاك أمومة أخرى.
ولعل واحدة من أقوى لحظات النص الدرامى والمعنى الإنسانى معًا تظهر عندما يتكلم القانون بلسان أعمق من القانون، حين لا يعود الحكم مجرد عقوبة، بل يصبح إعادة تعريف أخلاقى ونفسى للأمومة؛ فالأمومة ليست ملكية تُنتزع، ولا وظيفة جسدية تُزوَّر، ولا هوية تُصنع بالقوة، بل هى علاقة تنشأ من الرحمة والقبول والتسليم والإتاحة للآخر، كى يكون لا كى يتحول إلى ترميم لفراغنا الداخلى، ولهذا فإن اختطاف طفل ليس سرقة لشخص فحسب، بل اقتلاع لقلب من قلب، وتمزيق لرابطة أولية يؤسس عليها الإنسان كله معنى الأمان والثقة، ومن هنا تبدو العبارة التى تقول إنها «كسرت قانون الفطرة قبل قانون الدولة»، عبارة بالغة الدقة، لأنها تنقلنا من الجريمة بوصفها خرقًا لنص قانونى إلى الجريمة بوصفها خيانة للبنية الأولى التى يقوم عليها الارتباط البشرى. الفطرة هنا ليست مجرد مفهوم وعظى، بل هى ذلك النظام العميق الذى يجعل الأم أمًا والطفل طفلًا والحضن مأوى لا غنيمة.
فى النهاية لا تعرّى «حكاية نرجس» امرأة واحدة، بقدر ما تعرّى هشاشة الإنسان حين يتواطأ جرحه الداخلى مع قسوة العالم الخارجى، ولا تكشف لنا فقط كيف يمكن للكذب أن يتحول إلى واقع، بل كيف يمكن للنفس، حين تعجز عن احتمال نقصها، أن تبتلع الحقيقة كلها وتعيد صناعتها على صورتها، وهذا هو لب المأساة الفلسفى والوجودى معًا: أن الإنسان لا يهلك دائمًا لأنه شرير، بل أحيانًا لأنه ضعيف أمام حقيقة لا يستطيع حملها، ولأن بعض الجروح إذا لم تُحتوَ تتحول إلى آلات لإنتاج الوهم، ثم إلى أدوات لتدمير الآخرين، ثم إلى مصائر كاملة تُبنى فوق فراغ لم يجرؤ أحد على النظر إليه.
ولا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن الجهد الإبداعى الذى صاغه من الأساس؛ فالنص الذى كتبه عمار صبرى ينجح فى التقاط هذه المنطقة الشائكة بين الدراما والواقع، بين الجريمة والبنية النفسية، دون أن يسقط فى التبسيط أو الوعظ المباشر، حتى وإن شابته بعض الهنّات التى يمكن تفهّمها واغتفارها فى عمل يتعامل مع مادة شديدة الحساسية والتعقيد، كما أن إخراج سامح علاء، فى أول تجربة تلفزيونية طويلة له بعد تجاربه الناجحة فى الأفلام القصيرة، يُحسب له أنه اختار لغة بصرية هادئة ومقتصدة، منح فيها المساحة للوجوه والصمت والتوتر الداخلى كى يتكلم، دون إفراط فى الإبهار أو افتعال درامى، وهو اختيار واعٍ يتسق مع طبيعة العمل النفسية، أما الموسيقى التصويرية لـتامر كروان فقد جاءت كطبقة شعورية موازية لا تشرح الحدث بل تُعمّقه، تضيف إليه ظلالًا من القلق والاختناق والتوتر الصامت، وتمنح المشاهد إحساسًا مستمرًا بأن ما يُقال أقل بكثير مما يُخفى، بينما جاءت أغنية التتر «تستنوا إيه» بصوت رحمة رياض كامتداد وجدانى لحالة الانتظار المشحون التى تسيطر على العمل كله، وكأنها تلخّص فى نبرتها السؤال الأكبر الذى يطرحه العمل دون أن يجيب عنه بشكل مباشر.
وما بين الدراما والواقع لا يبقى السؤال الحقيقى هو كيف خطفت الأطفال أو كيف زورت التحاليل أو كيف استمرت كل هذه السنوات، بل كيف يمكن لذاتٍ بشرية أن تفقد القدرة على احتمال الحقيقة إلى هذا الحد، فتفضّل أن تهدم العالم على أن تواجه نفسها، وربما هنا تكمن المأساة الكبرى كلها: أن أخطر ما يفعله الإنسان ليس أن يكذب على الآخرين، بل أن ينجح فى تحويل كذبته إلى بيت داخلى يسكنه، ثم يدعو الآخرين قسرًا إلى العيش فيه معه، وحين ينهار هذا البيت لا يسقط فوق رأسه وحده، بل فوق رؤوس كل من أحبوه أو صدقوه أو تكوّنوا نفسيًا فى ظله.
