مقال

«المكنة بتطلّع قماشة واحدة»

بواسطة
في
مارس 28, 2026

فى مقاله المنشور بجريدة المصرى اليوم بتاريخ ٢٢ مارس ٢٠٢٦، توقّف سليمان جودة أمام صورة التقطها المُبدِع الجرنوسى لامرأتين تؤديان صلاة العيد، بينما تمتد فى الخلفية مقابر الإخوة الأقباط، كأنها تحرس المشهد فى هدوء لا يحتاج إلى تعليق، صورة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل، ليس فقط فى معناها المباشر، بل فيما تكشفه من طبقة أعمق فى الوعى المصرى؛ تلك الطبقة التى تجعل الانتماء إلى هذه الأرض سابقًا على كل تعريف آخر، بحيث يصبح القبطى مصريًا قبل أن يكون قبطيًا، ويصبح المسلم مصريًا قبل أن يكون مسلمًا، لا بوصف ذلك شعارًا إنشائيًا، بل كحقيقة نفسية واجتماعية تتجلى فى تفاصيل الحياة اليومية دون إعلان.

ولطالما أقلقتنى اللغة التى نستخدمها حين نتحدث عن العلاقة بين المسلمين والأقباط؛ فعبارات مثل «الوحدة الوطنية» أو «النسيج الواحد» تبدو فى ظاهرها إيجابية، لكنها تحمل افتراضًا خفيًا بأننا أمام كيانين منفصلين نحاول أن نربط بينهما أو نحافظ على تماسكهما، بينما ما أراه فى الواقع، سواء فى العيادة أو فى الشارع أو فى البيوت، شىء مختلف تمامًا، لا يظهر هذا الانقسام بهذه الصورة التى تصوغها اللغة، بل يظهر إنسان واحد يعيش تجارب متشابهة… قلق، ضغط، رغبة فى الاستقرار، خوف على الأبناء، وسعى إلى معنى، خبرات لا تُقسَّم دينيًا ولا تُختزل فى هوية واحدة.

ومن خلال خبرتى الإكلينيكية، لم أسمع يومًا مريضًا يفسر ألمه انطلاقًا من كونه مسلمًا أو قبطيًا، الألم دائمًا إنسانى فى جوهره، متعلق بعلاقات أولية مع الأب أو الأم، أو بصراعات داخلية حول القيمة والقدرة والانتماء، ما يشير إلى أن ما يجمع الناس فى مستوى أعمق من الشعور، أقوى بكثير مما قد تفرقه التصنيفات السطحية، وأن الهوية الدينية، رغم أهميتها، لا تشكل وحدها الإطار الذى يتحرك داخله الإنسان نفسيًا.

وحين أشار سليمان جودة فى مقاله إلى فشل محاولات الاحتلال الإنجليزى فى التفريق بين المصريين، وإلى أن الفارق بين المسلم والقبطى لا يتجاوز الذهاب إلى المسجد أو الكنيسة، كان يلمس هذه الحقيقة دون أن يسميها صراحة، أن الهوية هنا ليست مبنية على الاختلاف بقدر ما هى مبنية على الاشتراك فى التجربة… العيش تحت نفس الظروف، التأثر بنفس الضغوط، والحلم بنفس الأشياء البسيطة، التى تتكرر من جيل إلى جيل، لذلك تبدو أى محاولة لعزل هذا الاشتراك أو تضخيم الاختلاف، وكأنها مفروضة من الخارج أكثر مما هى نابعة من الداخل.

لكن السؤال الذى يطرح نفسه: لماذا تظهر أحيانًا ما نطلق عليه «مناوشات طائفية»؟ أتصور أن الإجابة لا تكمن فى الدين ذاته بقدر ما تكمن فى السياق الأوسع الذى يعيشه الإنسان؛ فعندما تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويتراكم الإحساس بالعجز أو الإحباط، يبحث الإنسان عن تفسير سريع ومباشر لما يشعر به، وقد يجد هذا التفسير فى أقرب تصنيف جاهز أمامه… التصنيف الدينى، ليس لأنه السبب الحقيقى، بل لأنه الأكثر توفرًا والأسهل استخدامًا، هنا يحدث الخلط بين السبب والعرض؛ فنظن أن المشكلة طائفية، بينما هى فى جوهرها تعبير عن توتر أعمق لم يجد طريقه إلى التعبير المباشر.

بدلًا من الحديث عن «نسيج واحد»، أن نقول إننا القماشة نفسها التى تضم داخلها تنوعًا طبيعيًا يثريها، فيها الفقير والغنى، والمسلم والقبطى، إنها وحدة واحدة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها تُعاش ولا تُقال، إن الطمأنينة تتغذى على شعور الإنسان بأنه جزء من كل أكبر؛ كل لا يهدده ولا يعزله، بل يمنحه مساحة للوجود دون خوف، وحين يتزعزع هذا الشعور، لأى سبب، تتأثر الطمأنينة الفردية.

ومن هنا؛ فإن استعادة هذا المعنى، كإدراك عميق، قد تكون أحد مفاتيح التوازن النفسى والاجتماعى معًا، لأن الإنسان، حين يدرك أن ما يجمعه بالآخرين أعمق مما يفرقه عنهم، يصبح أكثر قدرة على الاحتمال، وأكثر استعدادًا للحياة، وأقل ميلًا إلى الانغلاق أو الخوف.

وربما لا تكون الصورة التى نشرها الجرنوسى سوى لحظة عابرة، لكنها كاشفة، تذكّرنا بشىء نعرفه فى داخلنا، حتى لو غطّته أحيانًا ضوضاء الخطاب… أن ما قبل الدين والتعريفات، يظل حاضرًا فى العمق، وأن الإنسان، فى هذا المكان تحديدًا، يظل إنسانًا أولًا… ومصريًا قبل كل شىء.

TAGS
RELATED POSTS

LEAVE A COMMENT

خليل فاضل
القاهرة، مصر

كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة

بحث
أحدث التعليقات
    الأرشيف