لا تنجح بعض الأعمال الدرامية لأنها تقدم قصة مشوقة فحسب، بل لأنها تضع يدها على سؤال أخلاقى عميق يمس المجتمع كله، هذا ما يفعله مسلسل «عين سحرية»؛ فهو فى ظاهره تشابكات قانونية، وفى جوهره عمل يطرح سؤالًا قديمًا: هل القانون هو العدالة فعلًا؟ أم أن العدالة شىء أوسع وأعمق من النصوص القانونية؟
المسلسل عن كاميرات مراقبة تُركّب هنا وهناك، وتتحول إلى «عين» ترى ما لا يراه الآخرون، وليست مجرد جهاز تقنى، بل رمز لعصر كامل أصبح فيه الإنسان يعيش تحت المراقبة الدائمة، فى المدن الحديثة، وفى العمارات، وفى الشوارع، وحتى داخل بعض البيوت، هناك كاميرا تراقب دائمًا، هذه الظاهرة ليست مجرد تطور تكنولوجى، بل تعبير عن تحول اجتماعى عميق يمكن وصفه بمجتمع المراقبة؛ مجتمع يشعر فيه الإنسان بأنه مرئى دائمًا، بينما الحقيقة متوارية… لكن من يراقب من؟ وهل المراقبة وسيلة لتحقيق العدالة، أم أداة للسيطرة؟ فى الواقع الاجتماعى المعاصر، كثيرًا ما تُستخدم أدوات الرقابة لحماية المجتمع، لكن فى الوقت نفسه قد تتحول إلى وسيلة للنفوذ أو الابتزاز أو التحكم، وهنا يكشف المسلسل مفارقة خطيرة: التكنولوجيا التى صُممت لحماية الناس قد تصبح أحيانًا أداة لتهديدهم.
قوة العمل الحقيقية تكمن فى السؤال الأخلاقى الذى يتسلل إلى الأحداث؛ فهناك لحظة محورية فى المسلسل حين يقول أحد الشخصيات عبارة لافتة: هناك فرق بين القانون والعدالة، هذه الجملة تبدو بسيطة، لكنها فى الحقيقة تختصر تاريخًا طويلًا من الجدل الفلسفى؛ فالقانون، فى تعريفه البسيط، هو مجموعة من القواعد المكتوبة التى تنظم المجتمع، أما العدالة فهى قيمة أخلاقية أعمق، تتعلق بالإنصاف والحق والضمير.
المشكلة أن القانون الصحيح إجرائيًا لا يضمن دائمًا تحقيق العدالة، لكنه يؤدى أحيانًا إلى نتائج غير عادلة، وقد يحدث العكس: قد يشعر الإنسان بأن العدالة تقتضى شيئًا لا يسمح به القانون، هذه المسافة بين الاثنين هى المساحة التى يتحرك فيها المسلسل بذكاء.
فى مجتمعات كثيرة، ومنها مجتمعاتنا العربية، يختلط القانون بالسلطة والنفوذ؛ فالنصوص قد تكون عادلة فى ظاهرها، لكن تطبيقها قد يتأثر بعوامل كثيرة: المال، العلاقات، النفوذ، أو حتى الخوف، وهنا تظهر الفجوة بين ما ينبغى أن يكون وما يحدث بالفعل، الدراما فى «عين سحرية» تنجح فى تصوير هذه الفجوة دون خطاب مباشر أو وعظ أخلاقى، بل من خلال شخصيات تعيش هذا التوتر فى حياتها اليومية.
من الناحية السيكودينامية، يقدم المسلسل نموذجًا مهمًا لما يحدث داخل النفس البشرية حين تجد نفسها عالقة بين الخوف والضمير؛ فالبطل ليس بطلاً خارقًا، بل إنسان عادى يجد نفسه فجأة أمام حقيقة خطيرة، داخله صراع واضح: جزء من نفسه يريد النجاة والصمت، وجزء آخر يشعر بأن الصمت نوع من التواطؤ، هذا الصراع الداخلى هو ما يعرف بالصراع بين غريزة البقاء والضمير الأخلاقى.
كثير من الناس يعرفون هذا الشعور جيدًا، حتى لو لم يمروا بتجربة مشابهة، كم مرة رأى الإنسان ظلمًا أو فسادًا وسأل نفسه: هل أتدخل أم أصمت؟ هل أقول الحقيقة أم أحمى نفسى؟ هذه الأسئلة ليست مجرد مواقف فردية، بل هى جزء من البنية النفسية لأى مجتمع.
اللافت فى المسلسل أيضًا أنه لا يقدم شخصياته فى صورة نمطية بسيطة؛ فالعالم الذى يصوره ليس مقسومًا بين أشرار مطلقين وأخيار مطلقين، بل هو عالم رمادى، يشبه الواقع كثيرًا، بعض الشخصيات تبدو فاسدة، نشأت فى بيئة تسمح للفساد أن يصبح طريقة للحياة، وبعض الشخصيات تبدو ضعيفة، لكنها تحتفظ فى داخلها ببذرة أخلاقية تحاول أن تقاوم.
هذا التعقيد الإنسانى يمنح العمل عمقه؛ فالمسلسل لا يحاكم المجتمع من الخارج، بل يكشف آلياته الداخلية: كيف تتشكل السلطة، كيف يعمل النفوذ، وكيف يجد الإنسان نفسه أحيانًا محاصرًا داخل منظومة أكبر منه.
ومن هنا يمكن قراءة «عين سحرية» بوصفه مرآة لحالة أوسع يعيشها العالم المعاصر، ففى زمن الكاميرات والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعى، أصبح كل شيء تقريبًا قابلًا للتصوير والتسجيل، لكن paradoxically، رغم هذه الوفرة فى الأدلة البصرية، لا تزال الحقيقة نفسها عرضة للتأويل والتلاعب، وهنا تكمن المفارقة الأكبر: فى زمن الكاميرات التى ترى كل شيء، يبقى السؤال الحقيقى ليس ماذا نرى؟ بل ماذا سنفعل بما رأيناه؟.
كاتب ومحلل نفسي، قاص وروائي، يعالج بالسيكودراما الحديثة في مصر، له مقال أسبوعي كل يوم جمعة ينشر في صحيفة المصري اليوم، كما تشهد له قنوات اليويتيوب بعديد من اللقاءات السخية نفسية واجتماعية، كما أنه يمارس مهنة الطب النفسي منذ حوالي 41 سنة